من الخطأ أن نتصور أن الحملات المعادية للإسلام ورموزه في الغرب تنبع من صراع عقائدي أو فكري ديني أو كما يقال إنها صراع حضارات وقيم ومبادئ، لو كان هذا الأمر صحيحاً لاعتبرنا أن الغرب و أهله أكثر تطرفاً وتديناً وتعصباً لدينهم من المسلمين ويخشون على معتقداتهم من الإسلام وقوته ونفوذه.

وهذا أمر غير صحيح بالمرة، وكل من عاش أو زار أوروبا الغربية أو الولايات المتحدة لا يصعب عليه ملاحظة تراجع الدين والكنيسة أو غيرها من الديانات الأخرى إلى أسفل قائمة اهتمامات المواطن الغربي، وليس هناك أي وجود للدين والعلوم الدينية في كافة مناهج التعليم الغربية، سواء في المدارس أو الجامعات، والكنائس لا يذهب إليها إلا قلة قليلة جدا من كبار السن وفي الغالب من الفقراء الذين يبحثون عن مساعدات، ولا توجد ثقافة دينية لدى المواطن الغربي سواء في أوروبا أو أميركا الشمالية ( بالتحديد)، حيث تبدو النزعة الدينية، والاهتمام بالدين ملحوظاً في أميركا الجنوبية، حيث دول المجتمعات الفقيرة والتي لم يأت منها أي هجوم أو مظاهر عداء للإسلام والمسلمين.

وفي إيطاليا بلد الفاتيكان (التي عشت فيها نحو عامين) لاحظت بوضوح تام ليس فقط عدم الاهتمام بالدين بل هناك مظاهر عداء واضحة للدين والكنيسة والقساوسة، ولا يذكر الإيطاليون الفاتيكان إلا بالانتقادات والسب والإهانات حيث تحوي اللغة الإيطالية العامية العديد من ألفاظ السب والشتائم للبابا والكنيسة وحتى للمسيح والعذراء مريم.

والنسبة الغالبة من الشعب الإيطالي ملحدون ويفتخرون بهذا علنا، وفي إيطاليا العديد من الكتب والأفلام السينمائية والمجلات المصورة والصحف تتناول الدين والمقدسات المسيحية بأبشع وأحط الصور والأساليب، والوضع في فرنسا وألمانيا لا يختلف كثيراً عن إيطاليا بل ربما يزيد، وخاصة في الأوساط المثقفة التي ترفض الدين والعقائد جملة وتفصيلاً.

كما أنه يصعب أيضا تصور أن هذه الحملات المعادية للإسلام هي ردة فعل على ما يسمى بالإرهاب والتطرف الإسلامي، والذي لم يمنع الملايين من الغربيين من السفر للدول العربية والإسلامية للعمل أو السياحة، والمنطق يقول إن الخوف من التطرف والإرهاب الإسلامي لا يدفع الناس لمهاجمته واستثارة المسلمين و دفعهم للمزيد من الإرهاب والتطرف، بل على العكس المفترض أن يدفعهم إلى التفاهم والتقارب من المسلمين وكسب ودهم أو على الأقل الابتعاد عن إثارتهم أو استفزازهم، خاصة وأن غالبية هذه الحملات تظهر في حالات فردية يهاجم فيها شخص أو جريدة أو وسيلة إعلامية الإسلام و رموزه ثم تقوم جهات معينة بتضخيم وتهويل هذه الحالات الفردية إعلامياً لتثير وتستفز المسلمين.

ولا يمكن أيضا قبول فكرة جهل الغرب بالإسلام وقيمه و مبادئه السمحة و دعواته للمحبة والسلام بين البشر، والمطلع على الآداب والكتابات عن الإسلام في الغرب يلحظ عكس ذلك بوضوح، بل يمكن القول بلا مبالغة إن هناك آداباً ومؤلفات غربية وضعها مفكرون مسيحيون وغيرهم عن الإسلام كدين وكنظام حكم وتعاملات بين البشر ربما أفضل من كثير مما وضعه المسلمون أنفسهم، والأمثلة على ذلك كثيرة ويصعب حصرها أمثال الفيلسوف الإنجليزي الشهير توماس كارليل ومؤلفاته حول الإسلام وكتابه الذائع الصيت «محمد.. المثل الأعلى».

و الإنجليزي برتراند راسل والألماني جوته، وعلامة القانون الفرنسي ديجيه الذي طالب في بداية الخمسينات في فرنسا باتخاذ القرآن الكريم مصدرا من مصادر التشريع القانوني في فرنسا مستشهدا بقواعد توزيع الميراث في سورة النساء، وغيرهم من المفكرين العظماء المشاهير منهم والمغمورين، وهناك عشرات الآلاف من الرسائل العلمية والمؤلفات وضعها غربيون حول الإسلام تبرز مبادئه وتعاليمه بشكل علمي إيجابي، ولا توجد مؤلفات متداولة في الغرب بشكل كبير تهاجم الإسلام، بل كلها حالات قليلة ونادرة لكتاب مغمورين لا قيمة ولا وزن لهم أمثال سلمان رشدي وغيره.

الإسلاموفوبيا وهم صنعته جهات معينة في إطار مؤامرات سياسية لتحقيق مصالح بعيدة تماما عن الدين، وتحاول تضخيمه وتهويله إعلاميا بهدف تكريس و ترسيخ فكرة صراع الحضارات والأديان حتى تبرر من ورائه حملاتها في الدول العربية والإسلامية التي شاء قدرها أن تتمتع بثروات ومميزات تجعلها هدفا للمصالح الأجنبية.

وليس الخوف على الإسلام والمسلمين من الإسلاموفوبيا وانتشارها في الغرب بقدر ما الخوف على المسلمين أنفسهم و ردة فعلهم العدائية ونمو الكراهية والحقد لديهم على كل ما هو ليس مسلم واعتباره عدوا يريد أن ينال من الإسلام، هذا هو الخطر الحقيقي الذي يخالف تماما قواعد الدين الإسلامي ومبادئه السمحة ويخدم أصحاب مؤامرة الإسلاموفوبيا.