أثناء تجوالي في عالم الإنترنت وقعت على مقالة في إحدى الصحف العربية الكبرى، تتحدث عن معهد عربي! يدرس آداب السلوك، فجلستُ أقرؤها باهتمام، لأنني أؤمن بضرورة وجود مثل هذا المعهد في كل مدينة عربية، بل في كل حارة من حواريها، وكل شارع من شوارعها.
فكرة تعليم آداب السلوك بحد ذاتها مهمة، ولا يهم إن كان القائم بهذا الدور التعليمي هو معهد متخصص في ذلك، أو المدرسة، أو العائلة، فالمهم فقط أن يجد أطفالنا من يعلمهم الكثير من آداب التعامل مع الآخرين بكل ما تنطوي عليه من تفاصيل مركزية وهامشية، بحيث تنشأ أجيال أكثر نضجًا، باحترامها لذواتها واحترامها للآخرين.
الذي لفت انتباهي في هذا الموضوع هو أن البلد الذي أنشئ فيه هذا المعهد العام الماضي يعاني منذ سنوات طوال من الحرب وما يترتب عليها من تدمير للبنى التحتية والفوقية، ومع هذا فإن مؤسسة المعهد تعجب من عدم اهتمام الناس بتربية أبنائهم وتعليمهم آداب السلوك خلال الأيام العصيبة، وتتساءل: كيف أكل الناس وشربوا خلال تلك الأيام العصيبة؟ ألم يكن بإمكانهم الانتباه إلى سلوك أبنائهم أيضًا؟ في إشارة إلى أن تربية الأبناء لا تقل أهمية عن توفير الغذاء لهم ولأبنائهم.
وإذا كان الأطفال في أوقات الحرب لا يجدون الاهتمام الكافي من العائلة لتعليمهم آداب السلوك، وأساليب التعامل مع الآخرين، والظهور بصورة إيجابية وترك انطباع حسن عند من يلتقون بهم التقاء عرضيًا أو يحتكّون بهم احتكاكًا دائمًا، فإنني أعتقد أن الأطفال في غير أوقات الحرب أيضًا لا يجدون كل ذلك، أو لا يجدون جزءًا كبيرًا منه.
وفي هذا الأمر سنجد أن البلاد العربية تنقسم قسمين كبيرين: الأول ـ وهو على ما يبدو يمثل شريحة الأغلبية ـ يتضمن الطبقة الكادحة التي لا همّ لها سوى توفير لقمة العيش لأفواه الجوعى الذين تضمهم العائلة، وعندما يكون التفكير مركزًا على توفير الحاجات الضرورية، كالغذاء، والكساء، والدواء، وما شابه ذلك، يصبح التفكير في تربية الأبناء، أو في تعليمهم كيفية التعامل مع الآخرين، واحترامهم، والإحسان إليهم، أو التسامح مع المسيء إليهم، أو احترام الوقت، والكلمة، والصدق مع الذات ومع الآخرين.
وما شابه ذلك من سلوكيات وقيم، يصبح كل ذلك ثانويًا جدًا، ولا يظفر بحيز ولو بسيط من دائرة الاهتمام، وهذا الوضع ـ وإن لم يكن مقبولا ـ إلا أنه وضع طبيعي، لأن من لا يجد حاجاته الضرورية متوافرة بين يديه لن يجد وقتا للتفكير في غيرها وفي كيفية تأمينها. ولكن غير الطبيعي هو أن يتوافر كل شيء، ولا يتوافر الوقت أيضا لتربية الأبناء وتعليمهم آداب السلوك، وهذا هو حال القسم الثاني من الناس في الدول العربية.
في هذا القسم كل شيء يكاد يكون متوافرا، ما عدا الوقت الذي يجب أن يوهب للأبناء، فهو الوحيد الذي يعزّ عند الطلب؛ إذ إن كثيرا من الناس يكونون أقل اتصالا بأبنائهم الذين يحرصون على أن يوفروا لهم كل شيء، ما عدا ما يحتاجونه حقيقة، وهو التربية الأصيلة، التي تنقل إليهم عاداتنا وتقاليدنا، وتعاليم ديننا، وقيمنا الأخلاقية.
وهذه كلها أمور تنتقل بالمعايشة اليومية، والجلسات العائلية الحميمية الخاصة، التي يتحدث فيها الوالدان، ـ أو الجدّانى ـ مع الأبناء، فيسمعون منهما ما لن يسمعوه في أي مدرسة مهما كان مستواها ودرجة رقيّها وعالميتها، كما لن يسمعوه في أي دراما تلفزيونية، لأن ما يقدَّم الآن لم يعد ينقل لنا هذه القيم التقليدية، بل أصبح يروّج لكل ما هو غربي وغريب عنا.
وفي أجواء العائلات التي تهتم بتوفير جميع الاحتياجات المادية للأبناء، وتترك مهمة تعليمهم للمدارس التي ربما لا يعرف أكبر أفرادها أسماءها أو مواقعها إن سئلوا عنها، وتترك مهمة تربيتهم للخدم الذين يفدون من بلدان يحمل بعدها الجغرافي عنا بعدا موازيا على مستوى العادات والتقاليد واللغة والدين والأخلاق وغير ذلك، يصبح من الطبيعي أن ينشأ أطفال لا يعرفون شيئا يُذكر عن عاداتنا وتقاليدنا وتعاليم ديننا.
كما لا يعرفون كيف يتعاملون مع الآخرين، وكيف يتصرفون في بعض المواقف الطارئة، بل إنه قد يصبح سلوكا شائعا ومنتشرا أن يباشرك طفل بالأذى دون أن يكون بينك وبينه سابق معرفة، فيلقي عليك الحصى ـ مثلا ـ بمجرد أن يراك، لا لسبب إلا لأنه يريد أن يفعل ذلك.
كما أنه لم يعد مستغربًا الآن أن نمشي في أحد الشوارع ـ بغضّ النظر عن موقعه ـ ونسمع حوار الأطفال مع بعضهم، فنُصاب بالصداع لمدة يومين من بذاءة الألفاظ التي يستخدمونها في التحاور ـ الطبيعي ـ فيما بينهم!! وأقصد بكلمة ـ الطبيعي ـ أن الحوار لا يتضمن خلافا أو إشكالا، بل هو أسلوب حوارهم حين يكون الجو صفوا بينهم، وخاليا من سحب الإشكاليات.
كما أن سلوكيات الاعتداء على الآخرين، سواء كانوا من أفراد العائلة، أو من الجيران، أو المدرسين، أو الخدم، أو غيرهم، أصبحت منتشرة بين أطفالنا ومراهقينا بدرجة تبعث الرعب فعلاً، وتثير ألف سؤال وسؤال حول الوضع الذي تسير إليه مجتمعاتنا إن استمرت فيها الحال على ما هي عليه!
وإن أردنا تتبع مظاهر السلوكيات الخاطئة الصادرة عن الأطفال والمراهقين في مجتمعاتنا لن تسعنا مقالة ولا اثنتان ولا أكثر من ذلك، ولكن المهم من التتبع والرصد هو الكيفية التي نستطيع بها إيقاف مدّ هذه السلوكيات، والحيلولة دون تحولها إلى ظواهر تنخر في مجتمعاتنا، وتقوّض أسسها.
وهنا لا يفوتني أن أشير إلى أنني أقصد هنا أساسيات آداب السلوك والتعامل مع الآخرين، وهو الذي يوشك أن يصبح سرابًا عندنا، ولا أطالب بما هو أكثر من ذلك، حتى توجد الأساسيات، ونطمئن إلى وجودها أولا، ثم يمكن أن نكون أكثر طموحًا ونطالب بمستويات أعلى من ذلك.
وفي هذا السياق يمكن المطالبة بتخصيص حصص دراسية لآداب السلوك والتعامل مع الآخرين ضمن النظام التعليمي، لأن هذا الجانب لا يقل في أهميته عن الجانب التعليمي، ووزارة التربية والتعليم لا تغفل هذا الجانب ـ الذي يحتل شطر اسمها ـ بكل تأكيد، ولكنها في حاجة إلى تركيز الضوء عليه بشكل مكثف، وبطرائق مختلفة، ومتجددة، ومتعددة، حتى تتناسب مع الأطفال على اختلاف نفسياتهم وأمزجتهم وبيئاتهم الاجتماعية والثقافية.
ولا شك في أن الأغاني والأناشيد والمسرحيات الخاصة بالأطفال تؤدي دورًا تربويًا مهمًا، ولكن هذا الدور لا يكفي وحده إن لم يوجد معه التوجيه والإرشاد من قِبَل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وهذا يدعو كل فرد منا لأن يكون قدوة حسنة لكل طفل في المجتمع، حتى يساهم في النهوض به من هذا الجانب، لأن الأطفال ـ كما شبّهتهم مؤسِّسة المعهد الذي أشرت إليه في بداية مقالي هذا ـ كالإسفنجة، يمتصون كل ما يرونه من سلوكيات دون أن يدركوا الفرق بين جيده ورديئه، لذلك فنعمل جميعًا على أن يرى أطفالنا منا السلوكيات الجيدة التي تساعدهم على أن يكونوا جيدين ونافعين لأنفسهم ومجتمعهم.
جامعة الإمارات