لا يحتاج المراقب إلى الكثير من الفطنة لكي يدرك أن استقالة كارل روف المستشار السياسي للرئيس الأميركي في هذا التوقيت ليست استقالة طوعية فرضتها ظروف خاصة، بل هي استقالة تأتي في سياق مسلسل الفضائح والخيبات التي أصيب بها معظم فريق العمل في الإدارة الحالية للبيت الأبيض.

ولم يعد خافياً أن هذا الفريق الذي دخل تحت مسمى المحافظين الجدد إلى دوائر صنع القرار في الإدارة الأميركية قد أثبت فشله الذريع والمتواصل، وأدخل معه أميركا في مغامرات غير محسوبة، هي أقرب إلى الخيال والتمني، مع العلم أن هذه المجموعة تحمل مشروعاً أيديولوجيا واضحاً، هدفه دعم إسرائيل بكل الإمكانيات ولذلك وفي استعراض سريع لأهم أسماء عصابة المحافظين الجدد نجد أنهم من أصول يهودية أو صهيونية.

وتاريخهم السياسي والمهني يثبت تحيزهم العلني والناضج لدولة إسرائيل، وهذا الفريق هو الذي ساهم في إصدار قرار داخل الكونغرس يجيز للأميركي من أصول صهيونية أن يقدم مصالح بلده إسرائيل على المصلحة الأميركية، وليس خافياً دور الكثير من الدبلوماسيين الذين لعبوا دوراً ما في العشرين سنة الماضية في إطار التسوية السلمية في الشرق الأوسط حيث مارسوا تحيزهم الفاضح لإسرائيل وكان في مقدمتهم ناظر الخارجية الأميركية كيسنجر إلى مارتن انديك ودينس روس وسواهم من السفراء والدبلوماسيين الذين تعاقبوا على لعب هذه الأدوار في المنطقة.

يقول أحد المراقبين أن دور المحافظين الجدد في أميركا هو أكبر من حجمهم، إلا أنهم موزعون في أهم الدوائر وهم المؤثرون الحقيقيون في صنع القرار، فطوابيرهم ممتدة من البيت البيضاوي حول الرئيس المتأثر بأفكارهم مرورا بوزارة الخارجية وانتهاء بوزارة الدفاع وقد استطاعوا بمنهجهم الأيديولوجي المستمد من معلمهم اليهودي «ليو شتراوس» أحد أشهر أساتذة علم الإجتماع في جامعة شيكاغو أن يجذبو إليهم شخصيات أميركية يراودها الحلم الصهيوني واستعادة أسطورة الحروب الصليبية ومحاربة الإسلام.

ودعم دولة إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط بلا حدود، كما استطاعوا جذب بعض الأميركيين الذين يتردد في مخيلتهم الحلم الإمبراطوري بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، ولهذا فإن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي المستقيل بعد إخفاقاته في العراق وفضائح سجن أبو غريب وغوانتانامو جمع حوله جزءا من هذه العصابة، عصابة المحافظين الجدد مثل ريتشارد بيرل أمير الظلام.

كما يلقب والذي خرج بفضيحة مدوية، ونائبه بول ولفوويتز الذي تم نقله إلى البنك الدولي وانتهى بفضيحة هو الآخر مع صديقته وفضيحته في وزارة الدفاع بعد أن أقنعوه بأن أميركا أصبحت إمبراطورية عملاقة تسيطر على العالم بأسره، ومن هنا جاءت تصريحاته بعد ذلك عن أوروبا القديمة، والتي استفزت حلفاءه في التحالف الغربي الذي أقيم لغزو العراق.

كارل روف أحد أبرز المقربين للرئيس بوش يعتبر واحداً من هؤلاء الصقور في المحافظين الجدد، كان مقرباً من بوش الأب ثم عمل رئيساً للحملة الانتخابية لبوش الابن وبقي إلى جانبه في ولايته الأولى والثانية، وكان أحد أبرز المؤثرين على أفكار الرئيس، وأحد أبرز المخططين الاستراتيجيين لهذه الإدارة وأسباب خروجه ليست خافية على أحد حيث قام بفضح زوجة أحد العاملين في فريقه للضغط عليه.

وكارل روف مثل جميع أعضاء المحافظين الجدد لا يؤمنون بالمثل الأخلاقية، فتأمين المصالح العليا هو فوق الأخلاق والدساتير، والأهم هو مصلحة إسرائيل وحمايتها، وتأمين كل مقومات تفوقها، وهنالك من يتحدث عن أن هزيمة إسرائيل في عدوان يوليو الماضي هو أحد الأسباب المباشرة لهذه الاستقالة، لأنه كان واحداً من المخططين لهذه الحرب، وأحد أبرز الضالعين فيها، إلى جانب ملف المنطقة.

بالأمس كما قلنا سقط ريتشارد بيرل وولفويتز ثم تبعهم جون بولتون سفيرهم في الأمم المتحدة صاحب المقولة الشهيرة (إنه لو سقط عشرة طوابق من المبنى الأممي لن يغير شيئا في دورها)، ثم تبعه دوغلاس فيث صاحب كارثة العراق والمسؤول الأول عن ملف تزوير علاقة النظام السابق بالقاعدة، وصاحب نظرية أن العراق يمتلك أسلحة كيماوية وثبت بطلانها فيما بعد، هذا الرجل الذي خرج بفضيحة يندى لها الجبين من البيت الأبيض هو المسؤول عن عشرات آلاف الضحايا الذين سقطوا ويسقطون كل يوم من العراقيين والأميركيين أيضاً على أرض العراق ظلماً وعدواناً.

إنها نهاية الذين يلوون عنق الحقيقة ويتلاعبون بمصائر الشعوب كما يتلاعب الأطفال بكرة القدم، بلا تجربة أو خبرة، ويدمرون الأنظمة ويعبثون بأرواح الناس الأبرياء، المساكين كارل روف واحد منهم.. والبقية تأتي.