يدخل بنيامين نتانياهو مجدداً حلبة المنافسة على رئاسة الحكومة الإسرائيلية، وأظهرت الاستطلاعات الأخيرة أنه يتقدم على تسيبي ليفني وزيرة الخارجية وعلى ايهود باراك وزير الدفاع ورئيس حزب العمل، فيما لم يرد اسم ايهود اولمرت رئيس الحكومة الحالي بين المتنافسين.
وفيما تتعرض الحكومة الحالية لحملة انتقاد قاسية، حيث دعت صحيفة معاريف إلى إسقاط حكومة اولمرت، ليس بسبب إخفاقها في حرب لبنان ولا بسبب ضروب التحقيق لمراقب الدولة، بل ينبغي أن تسقط بسبب بلادة إحساسها الاجتماعي وأنه إذا واصلت هذه الحكومة إغماض العين عن سياسة المستوطنين وتحويل اليهود إلى أقلية في دولة ثنائية القومية، إلا أن نتانياهو المتربص لهذه الحكومة المترنحة وإخفاقاتها الكثيرة، يستعد بشكل مستمر لإسقاطها واستثمار الضغوط التي تواجهها للانفضاض عليها وإعادتها إلى حضن الليكود وسياسته العنصرية والتدميرية لعملية السلام وضد الفلسطينيين، كما مارسها سلفه المستريح في غيبوبته الطويلة ارييل شارون، ومن قبله مناحم بيغن الذي واجه نفس المصير ونفس النهاية على فراش الغيبوبة.
إن الخصم الحقيقي لنتانياهو ليس تسيبي ليفني، بل ان المنافس الفعلي لبيبي هو ايهود باراك الذي وصفته الصحافة الإسرائيلية مؤخراً بأنه يتصرف كخبير مستأجر لإعادة بناء الجيش بعد حرب لبنان الأخيرة، والذي يتخيل بأنه يرسخ قوته السياسية على النظر في الواقع من وراء العدسات غير المغطاة للناظور.
كما فعل سلفه عمير ييريتس خلال مناورات الجيش الإسرائيلي في مرتفعات الجولان، بل إن باراك يتصرف كرئيس أركان أعلى برتبة وزير دفاع ومنشغل في تشكيل الفرق الجديدة وتطوير وسائل الدفاع بعد اخفاقات جيشه الذي لا يقهر في لبنان في حرب يوليو الماضي، ولذلك فان باراك يتصرف في وزارة الدفاع وكأن الناخبين ـ يحملون أوراقهم لوضعها في صناديق الاقتراع، ولا يرون في هذه اللحظة أي فارق بينه وبين بنيامين نتانياهو الذي يمارس «ثعلبته» المعهودة في جذب الانتباه إلى برنامجه السياسي وشخصيته الفاشية، ويبدو أنه حقق بعض النجاح حيث أعطته الاستطلاعات 51% متقدماً على محور ليفني وباراك، المحكوم بالتحالف ضده لابعاده من مساحة المنافسة.
ولكن الأخطر والاهم بالنسبة لنتانياهو ولباراك تحديداً هو ما ذهب إليه مراسل صحيفة «هآرتس» بالقول إن دولة إسرائيل ستجد لنفسها رقمين قياسيين سيئين قبل سنة من احتفالها بالعام الستين لتأسيسها، رقم قياسي في معدلات التهرب من الخدمة العسكرية في صفوف الجيش، وتأييد شعبي غير مسبوق لرفض الأوامر من منطلق ايديولوجي».
وهذا ما سبق لباراك ان اعلنه الأسبوع الماضي حيث تحدث عن ظاهرة التهرب من الخدمة العسكرية في الجيش أو غيرها بالقضية الخطيرة، ولكن عضو الكنيسيت في حزب المفدال أوري ارئييل وجه النقد لباراك وقال انه كان ينبغي على باراك المشتكي وغابي اشكنازي المتبالي ان يلاحقهم بدلاً من التذمر والشكوى، فيما بينت المعلومات أن حاخامات المستوطنين يلعبون دوراً في تحريض ثلث الجمهور الإسرائيلي جهاراً لرفض الجنود للأوامر في منتصف الأسبوع لأسباب دينية، إلا أن هؤلاء الحاخامات يتهمهم البعض بأنهم هم الذين يقررون إدارة الشؤون في المناطق من تلقاء أنفسهم، وهذا يعني إفلاساً وفشلاً للحكومة، وبروز ظاهرة الازدواجية في الدولة الصهيونية.
قلنا سابقاً في هذه الزاوية إن إسرائيل هي عبارة عن ثكنة عسكرية مدججة بالسلاح أنشاؤا لها دولة، ولهذا فإن مصير الجيش في هذه الدولة هو الأساس وهو الأهم لأنه صمام الأمان، وطالما ان هذا الجيش قوي فإن الدولة قوية. لذلك فإن باراك الطامح لرئاسة الحكومة مجدداً لقطع الطريق على غريمه بنيامين نتانياهو، يعتبر وزارة الدفاع هي المهد والجيش هو جسر العبور له لتحقيق الهدف، ولكن ليس قبل إعادة هيبة الردع لهذا الجيش الذي كسرت شوكته مجموعة من المقاومين اللبنانيين وحطموا هيبته المزيفة.
أمام باراك فمنافس شديد البأس لا يهادن، وأمام نتانياهو عسكري مراوغ يقوم تحت جنح الظلام باغتيال خصومه وتصفيتهم، كما فعل مع قادة المقاومة الفلسطينية الثلاثة في بيروت مطلع السبعينات من القرن الماضي، وأمام الاثنين واحدة من أبرع الوزيرات المدعومة من عواصم القرار الدولي وتطمح بإعادة أسطورة غولدا مائير، إلا أنهم متنافسون يمتازون جميعهم بالخيبة.