يقول أحد الحكماء «هنالك رزق تجري وراءه فيسبقك، وهنالك رزق يجري خلفك فيلحقك». ويقول الحسن البصري «علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأن قلبي»، وفي الأمثال الشعبية الكثيرة «لو جريت جري الوحوش غير رزقك لن تحوش»، لذلك فإن قضية الرزق هي هبة من رب العالمين مهما «تقوّل» الناس فيها وزينوها بالأمثال وغيرها، فالمطلوب أولاً وأخيراً العمل والتفاني لأن «لكل مجتهد نصيب»، أما الجلوس على الأرائك وانتظار هبوط الرزق فهو ذروة الاتكالية والكسل، والله عز وجل يحثه والطبيعة والتركيبة الفيزيولوجية للإنسان كذلك وتدعوه إلى السعي للحصول على رزقه بعرق جبينه وكد ساعديه.

إن هذه القضية تفتح أمامنا الباب واسعاً لمناقشة مسألة الخطأ الذي وقع فيه كمبيوتر حكومة سلام فياض في رام الله منذ أيام التي صرفت رواتب القوة التنفيذية التابعة لحركة حماس في قطاع غزة، والتي أثارت جدلاً واسعاً في الشارع الفلسطيني، فمنهم من اعتبرها خطأ غير مقصود ومنهم من اعتبرها كرامة من الله ورسالة إلهية للحكومة للتعامل مع جميع أبناء الشعب الفلسطيني.

بغض النظر عن جدلية أو صوابية الحدث الذي يقف أمامنا، فإن حصول الخوارق في هذا الزمن هو مسألة نسبية تعود للأولياء والصالحين والثابتين المرابطين على إيمانهم بالله سبحانه وتعالى،إلا أن حصول الخطأ البشري وحتى الكمبيوتري أمر مفروغ منه، لأن جهاز الكمبيوتر الدقيق يقف خلفه إنسان يديره ويعطيه المعلومات.

ولذلك فإن حصول الخطأ بالشكل الذي حصل في قضية رواتب القوة التنفيذية، هو أمر عادي لو أنه حصل في ظروف عادية، أما وأن يحصل في هذا الظرف الدقيق والاستثنائي فإنني اعتقد أن وقوع الخبر على العامة وعلى الخاصة كان له وقع مختلف، أقل ما يقال فيه إنه كان مثيراً للإعجاب، وللدقة أكثر مثيرا للانتباه حتى لا نتهم بالانحياز، لهذا أو ذاك، ومصدر الإعجاب أمور كثيرة، أولها أن جميع المسؤولين في الإدارات المالية للمؤسسات لا يخطئون حتى وإن أرادوا ذلك، فهم يتمتعون بالدقة الفائقة.

والثاني أن مجال الخطأ في مثل هذه القضايا له حدود كما يحصل لموظفي البنوك حيث يكون فارق الخطأ المتاح لهم بالعشرات وفي أحسن الأحوال بالمئات، ولكن عندما يكون الخطأ بالملايين من الدولارات حيث تم دفع رواتب لأكثر من ستة آلاف شخص في القوة التنفيذية ولمدة عام كامل فهذا أمر ليس بالبسيط، والثالث والأهم هو نعم قد يكون هنالك في القضية أمر إلهي هذا لا غبار عليه، لأن وراء هؤلاء الناس أطفالاً ونساء وعوائل يعيلونها.

وبالتأكيد هنالك تدبير إلهي يقف وراء هذه العملية المعقدة لكي تفلت من براثن الكمبيوتر المؤّمن، وعقلية الخازن المالي المؤدلج والموجه، وتتخطى كل هذه الحواجز وتصل إلى هؤلاء الناس المحتاجين لها، والمقطوعة عنهم الأموال منذ أن استلمت حماس السلطة حيث ضربت إسرائيل حصاراً شديداً على قطاع غزة ومنعت دخول الأموال إلى حكومة إسماعيل هنية لممارسة الضغوط عليها وإجبارها على الرحيل، وإعلان فشلها الكامل، فكان رد رئيسها يومها بمواصلة العمل حتى لو لم يبق سوى الزيت والزعتر كقوت وحيد للناس.

أما الأمر الرابع والأخير فهو أن تكون حكومة سلام فياض التي تسير الأعمال حالياً قد صرفت الرواتب للناس وللموظفين ومن ضمنهم القوة التنفيذية، لأنهم أبناء هذا الشعب الفلسطيني المناضل، والمعروف أن الفلسطينيين مهما تجذرت الخلافات بينهم لا يصلون إلى درجة التنكيل ببعضهم خصوصاً في لقمة عيشهم وأن يتم وضع المشكلة في ذمة الكمبيوتر وخطئه الحميد.

وإذا كان وزير الشؤون الاجتماعية كان أكثر واقعية واعتبر أن الأمر لا يوجد فيه لا خطأ مقصود ولا تدبير إلهي، بل إن حماس هي التي وضعت اليد على أموال للسلطة كانت موجودة في بنك البريد في قطاع غزة ووزعتها على عناصر القوة التنفيذية، إلا أن الملفت أن المزاج الشعبي العام بعد تراكم هذه الكوارث فوق رأسه أصبح ميالاً ميلاً شديداً للإيمان بحصول الخوارق، وهذه قضية ينبغي أن تكون مطروحة على علماء الاجتماع وسواهم.

وهذا ما حدث في لبنان منذ عام عندما خرجت المقاومة منتصرة على جيش مدجج بأعتى آلة عسكرية، حيث أطلقت عليه النصر الإلهي، وسمعنا وقرأنا عن خوارق حصلت للعديد من المقاتلين في ساحة المعركة حيث اعترف أحد المقاومين أنه أطلق أحد عشر صاروخاً لأول مرة في حياته وأصاب إحدى عشرة دبابة ميركافا إسرائيلية وأعطبها، ولهذا فإنه يعتبر أن ذلك ليس كفاءة وقدرة ذاتية، بل هي قدرة إلهية ساعدته في تحقيق هذا الهدف.

بين أن يكون خطأ كمبيوترياً أو خطأ غير مقصود، فالمهم النتيجة أن تصل الأموال لعوائل هؤلاء الأشخاص لترفع الحيف والظلم عنهم، وترسم الفرحة على شفاههم الحزينة.