هناك نظرية هندسية تقول بأن أي تشققات في سقف أو في أرضية أي بناء سيؤدي في النهاية، إن لم تتم معالجته بالسرعة الطارئة، إلى زيادة في التشققات وضعف في التماسك بين اللبنات، وبالتالي احتمال سقوط السقف على رؤوس ساكنيه أو انشقاق الأرض وابتلاع كل من عليها.

وهذه النظرية قديمة قدم الكرة الأرضية وليست حديثة الولادة، وكما تنطبق على المواد الصلبة تنطبق كذلك على المجتمعات البشرية. وحيث أن نتائجها مضمونة بنسب كبيرة، فقد طبقها كثير من الأمم في التاريخ القديم والحديث والمعاصر للانتصار على أعدائها ومن ثم السيطرة عليهم بكل سهولة ويسر. أما المعدات المستخدمة لأحداث تلك التشققات فهي كثيرة؛ منها على سبيل المثال استخدام العناصر الدخيلة، العملاء، المخابرات، الإغراءات، المخدرات، الأزمات... الخ. أما الثغرات المستهدفة فهي:

1- الاختلافات الدينية.

2- الاختلافات المذهبية والطائفية.

3- الطبقات الاجتماعية.

4- الاختلافات العرقية.

5- طبقة الجهلاء والأميين.

أما ما يساعد على تحقيق تلك الكوارث فهي أمور متفق عليها، وعلى رأسها:

1- غياب الوعي الثقافي لدى الشعوب المستهدفة.

2- تغليب المصلحة الخاصة على العامة.

3- الظلم الاجتماعي والسياسي.

4- غياب دور الشورى أو المشاركة السياسية في الحكم أو ما نطلق عليه باللغة الغربية الديمقراطية.

لذا أصبحت الدول الشرق أوسطية بالذات من أكثر البيئات المهيأة والصالحة لحدوث مثل تلك التشققات التي يصعب في كثير من الأحيان إصلاحها.

فمعظم هذه الدول التي تحيط بالبحر الأبيض المتوسط (ما عدا بالطبع إسرائيل التي تقل فيها نسبة الأمية عن 5%) تنتمي إلى دول العالم الثالث ذي النسبة العالية من الأمية (تصل إلى أكثر من 50%)، إضافة إلى الجهل بالواقع والحرمان من المشاركة السياسية والتفاوت الكبير بين الطبقات الاجتماعية ما بين الغنى الفاحش والفقر الفاحش، إضافة إلى وجود عدد هائل من المذاهب والطوائف المنقسمة على بعضها.

في الدول المتقدمة يتم تدارك تلك الاختلافات الطائفية والاجتماعية والعرقية بالسماح لكل الطوائف والطبقات والأعراق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتغليب المصلحة العامة على الخاصة بسبب انتشار الثقافة والوعي. لذا نجد أنه من الصعب اختراق مثل تلك الأنظمة لكونها تقف على قاعدة صلبة غير مهزوزة كالتي لدينا. وهنا نتساءل: هل نعتبر دولة كلبنان على سبيل المثال دولة متقدمة (ولو ثقافيا) لكونها تمنح كافة الطوائف والطبقات حق تقرير المصير، أم دولة «متخلفة» حالها كحال أي دولة من دول العالم الثالث لأنها تعيش في حالة حرب مستمرة بين تلك الطوائف؟

فكل من يتابع منذ بداية الغزو الإسرائيلي للبنان الأحداث التي تعصف بالشعب اللبناني وبالبنية التحتية لهذه الجمهورية الديمقراطية على مدى السنة التي مضت فقط، يكتشف منذ القراءة الأولى لتلك الأحداث أن هذه الدولة التي كان من الممكن أن تقدم نفسها على أنها مثال اقتصادي وثقافي وسياسي واجتماعي يحتذى به لكافة الدول التي لم تلحق بها، هذه الدولة الصغيرة مساحة أصبحت تتراجع إلى ما دون مستوى الفقر والجهل والأمية.

صحيح أن نسبة الأمية في لبنان تصل إلى (18%) وهي أقل من نسبة الأمية في الجزائر واليمن وموريتانيا، إلا أن تصرفات رجال السياسة (ولنقل القادة) في هذا البلد تجعل من لا يحفظ نسب الأمية في العالم العربي يصنفها على أن نسبة الأمية فيها طاغية.

لقد اكتشف قادة الأحزاب والطوائف اللبنانية بالتجربة سياسة «اللعب على الطائفية» منذ عقود طويلة، وعانوا بأنفسهم من مرارة التجربة وقدموا أنفسهم مرة أخرى لبلدان الشرق الأوسط مثالا على ما قد تصل إليه الشعوب في حالة انعدام جو التوافق الداخلي بين الطوائف المختلفة واللجوء إلى الاحتكام ودعم أطراف خارجية بغرض تسوية نزاعاتهم العائلية الداخلية.

واكتشفوا في الوقت ذاته أن تدخل تلك الدول لم يؤد في كثير من الأحيان إلا إلى زيادة اختلافاتهم، خاصة وأن معظم الدول التي يحتكم إليها هي التي حولت لبنان والعراق وفلسطين بل الشرق الأوسط برمته، إلى مربعات ملونة متضادة ومتعاكسة (البيضاء والسوداء) تشبه مربعات الشطرنج، تتحارب عليها قطع اللعب بلونين متضادين متعاكسين (الأبيض والأسود). في هذه المرحلة حفرت تلك الدول الخارجية وعمقت في نفسية اللبنانيين من خلال آلاتها ووسائلها الخاصة، فلسفة الصراع بين اللونين الأبيض والأسود اللذين يمثلان الصراع الأبدي بين الخير والشر.

ولذا وجدنا أنفسنا مقتنعين تماما بأن هناك طائفة لبنانية تمثل الخير وهي الفئة التي تجب نصرتها لأنها مظلومة، وطائفة لبنانية أخرى تمثل الشر وهي الفئة التي تجب محاربتها بالسلاح ولا يجب التفاهم معها ولا مشاركتها في اتخاذ القرارات. ولم نسمع قط منذ شن الحرب الأخيرة على لبنان قبل أكثر من سنة، من ينادي من الدول المتقدمة والمتحضرة التي احتكمت إليها بعض الطوائف اللبنانية، بتسوية النزاعات بين هذه الطوائف بالوسائل السلمية.

بل بالعكس تماما، فلم تضيع تلك الدول الدخيلة فرصة إلا ودعت فيها إلى الاحتكام إلى الرشاش والمدفع. ولم يزل سر وغموض مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ومن تلاه لاحقا لا يتعدى، رغم التحقيقات الدولية المتصلة، التكهنات والاتهامات غير القائمة على دليل مادي، رغم أن كافة المؤشرات تشير إلى إسرائيل والمخابرات الأميركية.

إن اللبنانيين لا يثقون فقط بتلك التدخلات الأجنبية، بل نراهم في أكثر الأحيان يهيئون التربة الخصبة لتكاثر التدخلات الخارجية التي تبذل بدورها كل ما في وسعها لزيادة الخلافات بين الأطياف المختلفة، لكي تظل الحاجة إليهم بشكل دائم ومستمر. وما يثبت هذا الرأي أننا لم نسمع قط في العصر الراهن حربا كلامية ضروسا بين طائفتين مسيحيتين كتلك التي نتابعها على محطات التلفزة اللبنانية هذه الأيام.

فلم يكتف لبنان بانقسامات مسلمة مسيحية، حتى تحولت إلى انقسامات داخلية مسلمة مسلمة ومسيحية مسيحية! وربما نسي اللبنانيون أن المساحة الجغرافية لبلدهم (000, 10 كم مربع فقط - مقارنة بمساحة دولة كجمهورية مصر العربية التي تقدر مساحتها بأكثر من 000 ,000 ,1 كم مربع!) وعدد سكان لا يتجاوز 4 ملايين نسمة (مقارنة بأكثر من 74 مليون نسمة في مصر وحدها)، لا تسمح بكل هذا التعدد ولا بهذا الاختلاف ولا بعدد تلك الحروب والمآسي والدمار الذي لحق ببلدهم.

ويظل لدى اللبنانيين وكل من يحب هذا الشعب الطيب الأمل بأن يتفق اللبنانيون بكل طوائفهم على طي صفحة الماضي بلونيه الأسود والأحمر، واختيار مجموعة من بين خيرة مهندسيهم السياسيين والاقتصاديين للعمل كيد واحدة على إصلاح تلك التشققات الخطيرة التي بدأت تتسع شيئا فشيئا في سقف بيتهم الواحد، وردم تلك الحفر التي تفصل بين الجنوب والشمال والسهل والجبل والبر والبحر على يد لا تريد الخير لا لبنان ولا لأي بلد عربي ومسلم آخر.

وبالتأكيد يعرف اللبنانيون جيدا ما يحدث بشكل يومي في دولة العراق التي لا تبعد عنهم سوى بضعة كيلومترات، بسبب تلك الخلافات التي لا تشبع ولا تغني من جوع. وأن ليس لديهم أرض ستتقبلهم وتحتويهم كأرضهم ولا جبل يعصمهم من الماء كجبالهم، ولا سقف يحميهم من تقلبات الجو الخارجية كسمائهم... وليتصورا فقط ولو للحظة واحدة أن تلك الخلافات قد تشردهم كما شردت الخلافات العراقيين في شتى أنحاء الأرض... وتمزقهم شر ممزق.. وتجعلهم عبرة لمن لا يعتبر...

انتخابات المتن الأخيرة، لها عدة دلالات ورموز. وربما تصبح نقطة بدء لتوافق داخلي أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأن الكل رضي بالنتائج الأخيرة للانتخابات وعلل أسباب نجاحه أو فشله دون أن يتعرض لنزاهة العملية الانتخابية. لا بد أن تتنازل الأحزاب اللبنانية (كرمال عيون لبنان) كما يقول اللبنانيون... خاصة في مثل هذا الوضع الذي يسود المنطقة...

إن التنازل ليس بالضرورة دليل ضعف وهزيمة، والتمسك بالموقف عنادا وإصرارا ليس بأي شكل من الأشكال دليل قوة. وقد نستخلص من التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء الفلسطيني المقال إسماعيل هنية باستعداده للتنازل عن منصبه لصالح المصالحة الوطنية، ضرورة تطبيق مبدأ وسياسة «التنازل الشريف» عندما تتأزم الأمور، لإفشال خطط التدخلات الخارجية ولوقف المزيد من التشققات الداخلية في سقف الوطن الواحد، خاصة إذا كان هذا الوطن يعيش منذ 60 عاما بلا أرض!

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com