السجال الحاصل حالياً حول نتائج الانتخابات النيابية الفرعية التي حصلت في لبنان وانتهت بفوز مرشح العماد ميشال عون على منافسه الرئيسي أمين الجميل بفارق حوالي خمسمئة صوت أمر عادي، إلا أن النقاش الحاد والمستمر بلا هوادة حولها يعطينا فكرة عامة عن آفاق الأزمة وتعقيداتها الكثيرة.

فمن المعلوم في كل دول العالم أن الانتخابات، أي انتخابات، تنتهي برابح وخاسر، ويعترف الخاسر بخسارته والفائز يحتفل بفوزه وتكمل الحياة مسيرتها، إلا في لبنان للأسف، كل الأزمات تبقى مشرعة على التأويل، والمدهش في الموضوع ونظراً للانقسام المتجذر والاصطفاف الذي أفرزته وتفرزه الأحداث عند كل منعطف، تدفع برجال وهيئات علمية يفترض أنها تتمتع بالموضوعية والحيادية، خصوصاً الأكاديميين والمفكرين والعلماء وأساتذة الجامعة وسواهم، للتباري في خلق المسببات والأعذار لهذا الفريق أو ذاك، ولزيادة حدة الاحتقان في النفوس وتقليب الناس على بعضهم البعض بشكل مريب.

إنها انتخابات يستعمل فيها المتنافسون أدواتهم المتاحة لجذب المؤيدين وتحقيق الفوز، ولكن عندما تُغلق الصناديق أبوابها وتقول كلمتها الفاصلة، فلا مجال بعد ذلك للتأويل وابتداع النظريات المسيئة للبشر وللقوى والأطراف المعنية التي شاركت فيها، ويبدأ الناس يوماً آخر كباقي الأيام بلا عُقد ولا أحقاد وبلا تخوين لهذا أو لذاك كما حصل في هذه الانتخابات التي تم فيها تقسيم هذا المجتمع المصغر إلى وحدات وكيانات متضاربة، ووجهت لطائفة الأرمن اتهامات وصلت إلى حد العنصرية لأنها أعطت أصواتها على ما يبدو لمرشح العماد ميشال عون، وأُخرجت من انتمائها الديني، وكأنها ارتكبت الكفر لا سمح الله أو أكثر لأنها لم تُصوّت للمرشح الآخر، وكأن المرشح الآخر يحتكر لنفسه الإيمان والحقيقة والقداسة والعفة.

لكن المضحك المبكي في هذا السياق أن إحدى الفضائيات اللبنانية المعروفة استضافت، وبعد مرور أسبوع على إعلان نتائج هذه الانتخابات، أكاديمياً مفوهاً وضع هذه النتائج في سياق إقليمي ودولي وكوني، وأجرى مطالعة جيوسياسية حسب قوله، حاول تذكير الأرمن بتاريخهم ووقف على أطلال أرمينيا والقوقاز ثم أطل على إيران ونفوذها على الدولة الأرمينية في «ذلك البرزخ» المتقلقل مروراً بالدور السوري.

ووصل بخلاصاته التي يسميها علمية إلى إشعار الأرمن أنهم ارتكبوا خطيئة تاريخية تساوي تلك المجازر التي ارتكبت بحقهم مطلع القرن الماضي في البلقان وأنهم كان الأحرى بهم أن يضعوا ورقتهم، في صندوق مرشح حزب الكتائب المعبر عن السيادة وعن مصالح المسيحيين، فيما كميل خوري مرشح التيار الوطني الحر التابع للعماد ميشال عون هو أقل مسيحية، وأقل حماساً لقضيته الوطنية، فقط لأن العماد عون أقام تفاهماً وطنياً مع حزب الله الذي وصفه أحد الأدباء المعروفين بأنه «حزب طائفي ومذهبي» لأنه قاتل إسرائيل وقاد مقاومة شرسة اعترف قادة الجيش الصهيوني بقوتها وفاعليتها.

المؤرخ اللبناني كمال الصليبي صاحب كتاب «اليهودية جاءت من جزيرة العرب»، وهو واحد من أكثر الناس حماساً لتاريخ الكيان اللبناني ومن أهم الناس الذين دافعوا عن الصبغة اللبنانية، أكد في الآونة الأخيرة أن الدول التي سميت بالفاشلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تحولت إلى دول ثرثارة، ولذلك يعتقد أن لبنان بعد هذا الانقسام الطائفي الحاد تحولت الطوائف فيه إلى دول ثرثارة، تستهوي الكلام الذي لا طائل له.

وأسقطت كل المحرمات وتجاوزت كل أعراف التعايش، لذلك أصبح رجال الفكر وهيئات المجتمع المدني يشاركون بهذه الثرثرة التي تصدع الرؤوس، ولا تعطي نتيجة سوى المزيد من تقسيم المقسم، كما أفرزت الانتخابات الفرعية في لبنان، حيث قسمت المسيحيين بين مواطنين درجة أولى كالموارنة، ومواطنين درجة ثانية كالروم الأرثوذكس ومواطنين دخلاء على الوطن كالأرمن والشيعة وسواهم.

مع العلم أن الأرمن هم وسواهم مواطنون أصلاء في هذا البلد. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود.