نقلت وسائل الإعلام الأسبوع الماضي خبراً مفاده أن تركيا والعراق اتفقتا على العمل من أجل اجتثاث عناصر حزب العمال الكردستاني من شمال العراق، غير أن رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، رفض التوقيع على اتفاقية لتنفيذ هذا الأمر إلا بعد عرضها على البرلمان العراقي.
وفي مؤتمر صحافي ضم رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان، ونظيره العراقي، قال الأول: «لقد اتفقنا على بذل كافة الجهود لإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني من شمال العراق». وأضاف أنه تم التوقيع كذلك على مذكرة تفاهم مشترك، والاتفاق على تسريع العمل على وضع اتفاقية لمكافحة الإرهاب، بهدف محاربة حزب العمال الكردستاني الذي صعد من عملياته ضد تركيا مؤخرا متخذا من شمال العراق منطلقا له. وجاء هذا الإعلان عن تلك الاتفاقية بعد محادثات رسمية أجراها المالكي مع المسؤولين الأتراك في أنقرة.
والسؤال الذي تطرحه هذه الاتفاقية يتعلق بما إذا كان يمكن اجتثاث حزب العمال الكردستاني في منطقة شمال العراق، أم أن هناك أبعادا أخرى ذات صلة بهذا الأمر، منها الصلات التاريخية والثقافية بين أكراد تركيا وأكراد العراق، وتضاعيف المسألة الكردية في تركيا والتي لا يمكن اجتثاث الحزب من أي منطقة في العالم من دون إيجاد حل ديمقراطي لها.
والدليل على ذلك أن هذه الزيارة تزامنت مع هجوم جديد لحزب العمال الكردستاني في إقليم «حكاري» جنوب شرقي تركيا، على الحدود مع العراق وإيران، سقط خلاله ضابط تركي برتبة عقيد واثنان من الحراس، بعد تفجير لغم أرضي في دوريتهم. ودفع ذلك إلى إطلاق الجيش التركي تحذيرا جديدا لبغداد بأنه سيقوم بسحق قواعد المتمردين شمالي العراق أو مواجهة غزو عسكري محتمل، إذا لم تتصدَّ الحكومة العراقية لنشاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين يتحصنون في الجبال شمال العراق.
وكان ذلك في وقت حشدت فيه تركيا 200 ألف جندي في شرقها وجنوبها الشرقي استعدادا لعملية كبيرة يحتاج شنها لموافقة البرلمان التركي، بعدما قام حزب العمال الكردستاني في الآونة الأخيرة بتصعيد هجماته على الجنود والمدنيين في تركيا، ولم يشأ رئيس وزراء تركيا ولا قادة جيشها استبعادها، رغم تحذيرات بغداد وواشنطن اللتين تقولان إنها قد تزعزع إقليم كردستان العراق المستقر نسبيّا.
وبالطبع لابد من الإشارة إلى أن تركيا قامت أكثر من مرة بإجراءات تستهدف القضاء على حزب العمال الكردستاني وتجفيف منابعه، ولكن يبدو من تطورات الأحداث أنها لم تنجح في تحقيق هذا الهدف، لأسباب متعددة إقليمية وداخلية تؤكد انه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، اجتثاث هذا الحزب تماما من الواقع التركي.
أما في ما يتعلق بالتعاون التركي العراقي في اجتثاث الحزب، فهذا الأمر تقف دونه عقبات متعددة، منها صعوبة حصول الحكومة العراقية على موافقة البرلمان حول هذا الأمر بالنظر إلى الموقع الذي يحتله الأكراد داخله، ودخول الحكومة العراقية في اتفاق مع تركيا حول هذا الأمر قد يكون سببا إضافيا لأكراد العراق لكي يطالبوا بموجبه بأقصى درجات الحكم الذاتي، بل ولكي تتزايد مطالب الاستقلال بين أبنائه.
أي أن المسألة الكردية التركية يمكن أن تزيد من عمق المشاكل الداخلية في العراق، ولهذا الأمر أهميته إذا ما أدركنا أن الاستقرار في العراق ما زال هشا، والمنطقة الوحيدة التي تتمتع باستقرار هناك هي منطقة شمال العراق حيث يسكن الأكراد. من هنا يمكن القول إن رئيس الوزراء العراقي حرص على تأكيد أن هذا المطلب التركي لن يتحقق إلا بعد موافقة البرلمان العراقي، لمعرفته بالصعوبات التي تكتنف عملية التنفيذ.
والحاصل انه حتى لو قررت الحكومة العرقية وبموافقة السلطات الكردية في شمال العراق، أن تشارك الحكومة التركية في عملية اجتثاث حزب العمال الكردستاني، فإنها لن تستطيع السيطرة على هذا الأمر، لعدة أسباب منها الصلات العشائرية والعائلية بين كل من أكراد تركيا وأكراد العراق، وهى صلات تتطلب من الجانب العراقي أن يغض الطرف عن ممارسات يقوم بها الجانب التركي، خاصة وان أكراد تركيا يظهرون لإخوانهم في العراق أنهم يعانون من اضطهاد وظلم كبيرين. وهناك سبب آخر يضعف من إمكانيات أن يقضي الاتفاق المشار إليه على حزب العمال الكردستاني، وهو يتعلق بالطبيعة الجغرافية للمنطقة التي تحول دون السيطرة الأمنية الكاملة عليها، حيث تتخفى العناصر المقاتلة من الأكراد داخل الكهوف وفى الجبال.
مما يمنع متابعتهم امنيا بصورة ناجحة. وهناك سبب ثالث قد يكون غير معلن، لكنه من دون أي شك لابد وان يكون في خلفية تفكير معظم أكراد العراق، وهو أنهم يساعدون إخوانهم أكراد تركيا بما يساعد في النهاية على تأسيس دولة كردستان الكبرى التي تعد حلما بالنسبة لكل الأكراد، وهذا الأمر يجعل المشاركة الكردية العراقية في اجتثاث حزب العمال الكردستاني مشاركة صورية غير جادة وغير فعالة، وهو الأمر الذي يصعب من عملية اجتثاث الحزب.
وبالتالي فان كل ما يمكن أن يتحقق بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه، هو تصعيب الأمور أكثر على حزب العمال الكردستاني، وليس اجتثاثه. وتحقيق الهدف المعلن من الاتفاق يتطلب القيام بإجراءات أخرى مختلفة تخرج المسالة الكردية في تركيا من إطارها الأمني إلى إطار آخر سياسي، وهذا الأمر تعجز عنه الحكومة التركية لأسباب تتعلق بالنظام السياسي التركي ذاته.
وفى هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا كان بصدد أن يتعامل سياسيا مع المسألة الكردية، بل وقطع شوطا في هذا الصدد، لكن تعقيدات العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني في تركيا لم تمكنه من استكمال الخطوات المبدئية التي قطعها.
كل ذلك يعنى أن المسألة الكردية في تركيا عليها أن تدور في نفس الحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها، والاتفاق الأخير الذي تم التوصل إليه مبدئيا بين الحكومتين العراقية والتركية، ما هو إلا شكل من أشكال المسكنات.
كاتب مصري