ناقشنا في مقالة سابقة موضوع الارتباط الديني بالسياسي في هذه الفترة بالتحديد من عمر العلاقات الدولية، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث أصبح الخطاب الديني مسيطراً تماماً على سلوكيات وسياسات الكثير من الدول، وهو المسؤول كذلك عن معظم الأحداث التي شهدها العالم في الفترة الأخيرة.
موضوع تدين أوروبا يسير في هذا الاتجاه كذلك. فقد أصبح الدين يقارع حواضر أوروبا، وبات قوسين أو أدنى من أن يسيطر على نسبة لا بأس بها من روح التشريعات العلمانية، وذلك لتحقيق نسبة من المواءمة تتفق مع وجود الجاليات الاثنية التي أثار وجودها مع الأحداث الدينية التي شهدها العالم أخيراً إشكالية إحياء الدين مرة أخرى في سياق علمانية أوروبا.
فقد أصبح للدين حضور أقوى مما كان عليه في القرن الثامن عشر، أي منذ عصور التنوير والعقلانية، حيث أوروبا العلمانية التي قاطعت الدين منذ تلك الفترة وحصرته في الكنائس وفي القلوب وعرفته بأنه مجموعة من السلوكيات يتمثل بها البسطاء والسذج فقط من الناس. إلا أن الحال تغير اليوم وأصبح ليس كما كان في الأمس، حيث صار للدين حضور واضح المعالم تتفاوت نسبة تأثيره بالطبع من دولة لأخرى.
وهذا ما عبر عنه فيليب جنكنز، أستاذ الدراسات الدينية والتاريخية في جامعة «بن ستيت الأميركية»، ففي مقالة نشرتها له مجلة «الفورن بوليسي» بعنوان «عودة أوروبا المسيحية» يرى أن أوروبا اليوم تعيش فورة دينية تتفاوت من منطقة إلى أخرى، ولكنها واضحة المعالم لا يستطيع أحد أن ينكرها.
ومما لا شك أن هناك مجموعة متداخلة ومتشابكة من العوامل والحيثيات التي عملت على استنهاض الدين مرة أخرى في أوروبا، منها ما هو داخلي وآخر خارجي. ولكن ما يهمنا في هذه المقالة هو التركيز على دور الجاليات الإسلامية في أوروبا، حيث أحدثت قدرا من التأثير الذي لا يستهان به في إعادة إحياء المصطلح الديني الأوروبي، وأوجدت له أولوية على قائمة الأجندة الأوروبية.
فالمسلمون في أوروبا يشكلون اليوم وجوداً حقيقياً له حيز من الخصوصية الإسلامية التي تنعكس على كافة المستويات سواء الاجتماعية أم الاقتصادية أم الثقافية أم السياسية. وتأثيرهم واضح وممتد عبر المنشآت الدينية المتمثلة في المساجد وطقوس العبادات والعادات والتقاليد، كما أن تأثيرهم واضح في الحياة السياسية لأن لهم تأثيرا على الانتخابات ودخول البرلمانات والوزارات.
كما هو الحال في بريطانيا وهولندا. وتضم فرنسا العدد الأكبر من المسلمين، حيث يبلغ عددهم فيها حوالي ستة ملايين مسلم من مجموع السكان البالغ ثلاثة وستين مليونا، وتأتي بعد ذلك هولندا ثم الدنمارك، أما بريطانيا فتحتل المرتبة التاسعة بعد بلجيكا من حيث الوجود المسلم فيها. فمن يسمع بما يحدث في بريطانيا من مشكلات مع الجالية الإسلامية يظن أنها الأكثر عدداً، ولكن العبرة ليست في العدد وإنما في التشريعات التي تنتهجها الدول في التعامل مع الجاليات الإسلامية.
ولنرجع الآن لنقطة المقال الأساسية، وهي الأسباب التي أثارت الغرب وجعلته يرتد نوعاً ما على العلمانية ويتجه إلى موروثه الديني ليحتمي به. أعتقد أن الموضوع يرجع لسببين: الأول يكمن في الأحداث الأخيرة التي شهدها العالم، وخاصة أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تبعها من أحداث عنف وإرهاب شهدتها بعض المناطق الحيوية في أوروبا، كالأحداث التي شهدتها فرنسا واسبانيا وبريطانيا مؤخراً، مما جعل موضوع المسلمين وبالذات الجاليات الإسلامية في الغرب يوضع تحت المجهر.
فأوروبا باتت تراجع حساباتها جيداً وبدأت تستحضر المخزون الفكري الفقهي لدى المسلمين، وتضعه نصب عينيها، ولعل من أهمه نظرية «دار الحرب» و«دار الإسلام» التي هيمنت على العقل الفكري الإسلامي لفترة طويلة وما زالت موجودة عند بعض المدارس الفقهية، وحددت نظرته لفترة طويلة من الزمن تجاه الآخر الذي إما أن يدخل في الإسلام أو هو مطالب بدفع الجزية. فأوروبا ما زالت تعيش وتستحضر ما تعتبره «التهديد الإسلامي» لها إذا ما توفرت للمسلمين القوة المطلوبة، الأمر الذي جعل الأوروبيين يستنهضون المخزون الديني لديهم على اعتبار أن ما يتعرضون له موجه أساسا لكونهم غير مسلمين.
والسبب الثاني الذي نعتقد أنه استثار الأوروبيين نحو العودة إلى الدين، هو العامل التركي ومحاولات تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فعلى الرغم من أن تركيا، وخاصة حكومة حزب العدالة والتنمية، عملت على تعديل الكثير من المواد القانونية لكي تتوافق مع معايير كوبنهاغن، وخاصة في ما يتعلق بمواضيع الحريات السياسية والقانونية وقضايا حقوق الإنسان، إلا أن شروط قبولها في الاتحاد الأوروبي ما زالت معلقة.
وما زالت هناك ممانعة خاصة من قبل المحافظين الأوروبيين الذين يعتقدون أن انضمام تركيا سيقضي على الهوية المسيحية لأوروبا، خاصة في ظل مؤشر الأرقام الديمغرافية التي تشير إلى تفوق عددي يحسب للأتراك في السنوات المقبلة. فنتيجة هذا التأثير القادم من الجماعات الإسلامية ومن محاولة دخول تركيا للاتحاد الأوربي، أصبح موضوع الدين هو الأهم والأبرز وجعل الأوروبيين يميلون نحو الدين، كملاذ لهم لمواجهة ذلك الخطر القادم إليهم والذي يحمله المتشددون الإسلاميون أصحاب الأفكار الرافضة للغير.
لذلك لا بد من إعادة ترتيب أجندة العلاقات بين أوروبا والمسلمين وفق نظرية الربح والخسارة. فالجماعات المسلمة والمجتمعات الأوروبية مطالبة جميعاً بالمواءمة بين أوضاعها والأوضاع الأخرى.
فالمسلمون بحاجة إلى موقف أوروبا الداعم لقضاياهم الأساسية، سواء في فلسطين أو لبنان أو العراق وسواء من حيث الدعم السياسي أو الدعم الاقتصادي والمادي الذي تقدمه الدول الأوروبية. وعلى الجاليات الإسلامية في أوروبا أن تعلم أن عليها مسؤولية كبيرة في تقديم الإسلام الصحيح الذي يبتعد عن التشدد ونبذ الغير كي لا يتشدد الغير ضدنا. في الوقت نفسه لا بد على الدول الأوروبية أن تعمل على تحسين أوضاع الجاليات المسلمة سواء الاقتصادية منها أو السياسية.
فمن الملاحظ أن وضع المسلمين في الدول الأوروبية لا يمكن التعامل معه بوصفه وضعاً واحداً، فهناك فروق واضحة في مدى تأثيرهم واندماجهم في المجتمعات التي يعيشون فيها. فمثلاً لم نشهد أن مشكلات كبيرة حصلت في ألمانيا أو بلجيكا، في حين أن فرنسا وبريطانيا تشهد أنواعا عديدة من التوتر. ربما يرجع ذلك إلى التفاوت في تقرير الأوضاع السياسية والاقتصادية التي لا بد أن تراعى فيها معايير عديدة من قبل الدول الأوروبية.
فالحل ليس في العودة إلى التشدد الديني لمواجهة تشدد ديني آخر، وإنما في معالجة الأمور بحكمة وعدالة أكثر.
مركز زايد للتراث والتاريخ