كان القائد الفرنسي نابليون بونابرت يردد دائماً أنه يستطيع أن يهزم أربعة جيوش دفعة واحدة، ولكنه يخشى أن تهزمه صحيفة واحدة، لما كان للصحافة ومن رهبة وسطوة في ذلك الزمان، حيث كانت الصحف في بواكيرها وبداياتها.
أما ستالين الذي يعتبر واحداً من أبرز المؤسسين لدولة الاتحاد السوفييتي فكان يأنف من المنظرين من أمثال سوسلوف وجدانوف، ويقول إنه عندما يسمع الأدباء والإعلاميين يتحدثون يتحسس مسدسه الملقم بالرصاص دائماً.
وفي الماضي البعيد كانت مقولة «اقطعوا لسان هذا الشاعر» واحدة من ألقاب الجاه والسلطة والرزق العميم عند العرب، وهي صفة حميدة على صاحبها لجذب شاعر معين، ومصطلح «اقطعوا لسانه» يعني أعطوه المال، لأن قطع اللسان بالمال يساوي قطع اللسان بالسيف.
ولذلك فإن المتنبي، وهو أحد أشعر شعراء العرب قاطبة وأخلدهم، و«مالئ الدنيا وشاغل الناس»، كان يشتغل مدّاحاً عند كافور الإخشيدي، ومات ضحية أشعاره التي هجا فيها «طرطبة»، تلك السيدة التي طارده أولادها من أجل الانتقام منه، وعندما ظفروا به وحاصروه، حاول التملص منهم لكثرة عديدهم وقوة شكيمتهم بالهرب.
وفي زماننا تروى الكثير من الحكايات عن أولئك الإعلاميين الذين يسعون بأرجلهم لكي تقطع ألسنتهم والظفر بالمال لأنه عصب الحياة بالنسبة لهم، وهو الهدف الأسمى ويجلب لهم المكانة. والمشكلة بهؤلاء انهم لا يشبعون ويسعون لاكتناز المزيد كلما حصلوا على المزيد منه.
وبمعزل عن نظريات الواقعية وحياد الكاتب التي أطلقها جان بول سارتر والذين يؤمنون بمدرسته، وبمعزل عن نظرية الحياد، وفلسفة اللامنتمي التي أطلقها الفيلسوف كولن ولسون، إلا أن تياراً كبيراً من هؤلاء الكتّاب ضرب عرض الحائط بكل هذه النظريات وأخذ يفتش عن وسيلة تضمن له المكاسب والامتيازات المادية، أما الأفكار والنظريات والانتماءات فهي تستطيع أن تنتظر لملء الجيوب وتجيير المواهب لمصلحة هذه الجهة، وهذا السياسي، كما هو حاصل الآن في الحالتين اللبنانية والعراقية على سبيل المثال لا الحصر.
فهناك كتّاب في الحالة اللبنانية يمثلون النموذج الأسطع لهذا التلّون الذي يتماهى مع رنين المال وثقافة التكسب، فهنالك من كان يعتبر الجنرال عون هو الحل، وبسحر ساحر لا نعرف أسبابه انقلب إلى الضد، وهنالك شاعر وكاتب معروف يجاهر بأنه ذهب لانتخاب خصم عون «لأنه حليف لمقاومة مذهبية وطائفية»، وهنالك كاتب ألف كتاباً عن رئيس جمهورية لبنان العماد أميل لحود، وها هو الآن ومنذ حوالي العامين يستشرس بالهجوم اللاذع ضده، إلى حد سئم الناس ولحود نفسه من تجنياته ولم يسأم هذا الكاتب .
أما في الحالة العراقية فحدث ولا حرج، فذاك المفكر الذي لعب دوراً كبيراً في إقناع الإدارة الأميركية بغزو العراق، كتب مقالاً في إحدى الصحف البريطانية اعتبر فيه أن الصواريخ التي كانت تنهمر من طائرات البي 52 فوق بلاده هي أهم من سيمفونية بيتهوفين أو موزارت، أما ذاك الكاتب الذي كان لا يترك مناسبة إلا ويظهر فيها عبر الفضائيات وفي الصحف يحرض على الديكتاتور والحكم الاستبدادي ويتحدث بسعادة عن عودته الوشيكة إلى بغداد، فقد سمعناه ينعي العراق ويعلن رحيله النهائي الذي لا رجعة فيه إلى بلاد الرافدين.
إنها نماذج من أولئك الكتاب والأدباء الذين كانوا يسعون إلى قطع ألسنتهم عند المستعمرين والمحتلين، ولو على حساب سيادة بلادهم وأرواح أهاليهم وذويهم.
إذا كانت النهايه المأساوية للمتنبي بسبب شعره، فإن هؤلاء الأدباء للأسف لا يشعرون بوخز ضمير مثل المتنبي، فهم على استعداد لتغيير مواقفهم وقناعاتهم كما يغيرون كل يوم أثوابهم وقمصانهم المستعارة. ويغيرون جلودهم كالأفاعي.