فيما يقرر الفلسطينيون والإسرائيليون تكثيف اللقاءات، سواء على مستوى اللجان أو على المستوى السياسي متبعين بذلك نصيحة وزيرة الخارجية الأميركية كندوليزا رايس التي طالبت الطرفين بتحصير إطار اتفاق لتسهيل المناقشات في المؤتمر الدولي الذي دعا إلى عقده الرئيس جورج بوش في الخريف القادم، تتباعد شقة الخلاف بين الفلسطينيين ويتخذ أبعاداً أشد خطورة.

يوم الاثنين الماضي السادس من الجاري، جرى لأول مرة في مدينة أريحا بالضفة الغربية لقاء آخر بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت، يفترض أن تبيعه ثلاثة لقاءات أخرى قبل موعد انعقاد المؤتمر الدولي لإنضاج أفكار مشتركة نحو فتح آفاق سياسية لعملية السلام، ولأن الإدارة الأميركية كما أوضحت رايس لا تنوي أن يكون المؤتمر مجرد حدث إعلامي وحسب.

وإذا كان لقاء أريحا قد جاء بناء لموافقة سابقة في بداية هذا العام أطلقها أولمرت في إطار ما أسماه بتبادلية أماكن عقد اللقاءات بين القدس، وأريحا أو رام الله في الضفة الغربية، بغرض خبيث، يستهدف تكريس ادعاء إسرائيل بأن القدس عاصمتها الموحدة، مقابل عاصمة أخرى للفلسطينيين في الضفة، فإن لقاء أريحا الذي وصفه الطرفان بالإيجابي لم ينجم عنه سوى بضعة وعود من قبل أولمرت يحتاج تحقيقها إلى الكثير من الوقت والجهد.

في أريحا عرض الطرفان تصوراتهما لكيفية إقلاع العملية السياسية، ولكن من مواقع مختلفة. ففي حين تركز إسرائيل على فكرة الدولة المؤقته والحل الانتقالي ومن خلال إعلان مبادئ شبيه بإعلان مبادئ اتفاقية أوسلو، وتأجيل بقية قضايا ملف مفاوضات الوضع النهائي، فإن الفلسطينيين يشددون على ضرورة البدء فوراً بمناقشة ملف الوضع النهائي بما في ذلك الدولة الفلسطينية.

في الواقع فإن كوندوليزا رايس كانت قد ركزت تصريحاتها بعد لقائها مع إيهود أولمرت قبل أسبوعين، على أن البحث يدور حول القضايا الأساسية التي تتصل بتحقيق رؤية بوش بشأن الدولتين، ولذلك فإن من العبث أن نتوقع من المؤتمر الدولي توسيع نطاق المفاوضات إلى ما هو أوسع من ذلك كما يرغب الفلسطينيون والعرب.

على أن لقاء أريحا الذي لم يقترب من الآفاق السياسية، تناول بضعة قضايا أمنية وإنسانية وإجرائية، تدخل في إطار إعادة بناء الثقة، والتحضير لبحث قضايا سياسية في اللقاءات القادمة. وكالعادة فإن القضايا التي جرى تناولها مثل تخفيف الحواجز، والإفراج عن أعداد أخرى من الأسرى، وانتظام إسرائيل في دفع الاستحقاقات المالية للفلسطينيين وإعادة مبعدي كنيسة المهد، وزيادة التنسيق الأمني، كل هذه القضايا جاءت في إطار الوعود التي قدمها أولمرت وتحتاج إلى بحث إسرائيلي منفصل قبل أن تدخل كلها أو بعضها حيز التنفيذ.

هذه النتائج المتواضعة، والخلاف الفلسطيني الإسرائيلي حول إطار وأهداف المفاوضات الجارية، والتي ستعرض من خلال المؤتمر الدولي، حملها الرئيس محمود عباس مع ملفات أخرى أهمها ملف الوضع الداخلي الفلسطيني، إلى الرئيس حسني مبارك، الذي يزوره لأول مرة منذ انقلاب حماس العسكري في منتصف يونيو الماضي، عله يجد عنده ما يساعده في تحريك الأمور.

لا شك أن الرئيس محمود عباس، يدرك مدى ضعف العامل الفلسطيني في مجابهة استحقاقات مؤتمر دولي للسلام، تتوافق فيه الرؤية الإسرائيلية مع الأميركية، وتديره كوندوليزا رايس، التي أكدت غير مرة أن بلادها لا تنوي أبدا التفريط بحقها وقدرتها على الاستحواذ والهيمنة لوحدها على هذا الملف.

على أنه رغم شعوره بضعف العامل الفلسطيني، خصوصاً بعد وبسبب الانقلاب في غزة، والانقسام العميق الذي يعاني منه الفلسطينيون، إلا أنه غير قادر على تجاوز هذا الانقسام والذهاب إلى حوار يعيد توحيد الصفوف ما لم تتراجع حركة حماس عما فعلت وتعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه، وكحد أدنى الاعتذار من الشعب الفلسطيني كما صرح بذلك خلال زيارته لموسكو مؤخراً.

وربما ينتاب الرئيس عباس شعور بالرضا، وهو يتابع التحركات الأخيرة من أجل إعادة إحياء وتنشيط المفاوضات وعملية السلام، وهو متحرر من القيود التي تفرضها عليه حركة حماس فيما لو كانت الأوضاع على نحو مختلف.

الرئيس محمود عباس ذهب إلى مصر، وهو يعرف أن ثمة خلافاً حول كيفية معالجة الانقسام الداخلي، حيث يواصل الرئيس حسني مبارك دعوته للحوار، وكذلك يفعل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، رغم أن الطرفين يؤكدان وقوفهما مع الشرعية، ويربطان استئناف الحوار على قاعدة عودة الأمور إلى نصابها في غزة كما أعلن عن ذلك الفيصل خلال مؤتمر صحافي عقده في جدة يوم الثلاثاء الماضي.

وعدا عن أن الأوضاع والإجراءات على الأرض التي تصدر عن حركة حماس في غزة وردود الفعل عليها في الضفة، لا تقدم مؤشرات إيجابية تفيد بتغيير في الموقف يسمح بالتبشير بإمكانية استئناف الحوار قريباً، فإن الموقف الأميركي والدولي عموماً، يتميز بالتشدد تجاه حركة حماس، ويظهر ذلك جلياً في الحصار المحكم جداً الذي تفرضه كافة الأطراف بما في ذلك الإقليمية والعربية على الوضع في غزة التي تحكمها حركة حماس.

من ناحيتها حركة حماس تواصل الدعوة لحوار غير مشروط، ويرى رئيس الحكومة المقال إسماعيل هنية، أن ثمة عشر قضايا أو أسس لضمان نجاح أي حوار، الأسس التي يصفها هنية ليست سوى جدول أعمال الحوار حين يبدأ، لكنه لم يبد أية إشارة إلى استعداد حركته للتراجع أو قبول شروط الرئيس عباس، وربما لطمأنة الجوار وما بعده اكتفى بالتأكيد أن لا أحد يفكر في إقامة كيان منفصل في غزة.

وفي الحقيقة فإن مقارنة التصريحات المعلنة مع ما يجري فعلياً على الأرض وآخرها الانفراد في غزة بإعلان نتائج الثانوية العامة لطلبة غزة فقط، وقبل الموعد الذي حددته وزارة التربية والتعليم لإعلان النتائج بصورة موحدة، نقول أن ما يجري على الأرض يعمق أزمة الثقة، ويعمق حالة الانقسام، ويشكك في مصداقية الرغبة في الحوار وإعادة تجميع الصفوف.

وانطلاقاً من هذا الواقع، لا يبدو أن ثمة الحد الأدنى من الحظ لنجاح المبادرة التي طرحتها مؤخراً حركة الجهاد الإسلامي، وتقتضي بأن تسلم حماس المؤسسات في غزة لفريق مصري، وتعتذر للشعب الفلسطيني حتى يبدأ الحوار ثم تعود السلطة لتسلم مقراتها ومؤسساتها.ويبدو أن الفلسطينيين أصبحوا أسرى واقعهم الممزق، الأمر الذي يضعف ويهدد قدرتهم وقدرة العرب على استثمار فرصة المؤتمر الدولي لدفع عملية التسوية بالاتجاه الذي يحقق أهدافهم الوطنية.

كاتب فلسطيني