فيما يهل علينا عام دراسي جديد، بدأ الطلبة رحلة البحث عن تدبير النفقات الجامعية الباهظة. معظمهم سيلجأ إلى القروض سواء الطلبة أو آباءهم. وفي الوقت الذي وصلت فيه قيمة الدروس الجامعية إلى مستويات قياسية حيث زادت بمعدل 45 % خلال السنوات السبع الأخيرة، فإن الطالب العادي لا يتخرج غالبا من الجامعة إلا وعليه ديون قد تصل إلى أكثر من 20 ألف دولار أميركي.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الدولة الأميركية التي كانت تشعر بالفضل والامتنان لأبنائها، بتمويل التكاليف الجامعية لجيل كامل من قدامى المحاربين. وكان هناك برنامج يعرف باسم «جي آي بيل»، وهو برنامج حكومي طور في الأساس بهدف توفير تمويل دائم لمساعدة جيل من الطلبة على المضي قدما في المشوار الجامعي. وقد استفادت الأمة الأميركية بأكملها من ذلك البرنامج، حيث إنه ساعد على قيام الطبقة الوسطى العريضة للمجتمع الأميركي وقتها.

والآن وفي ظل اقتصاد العولمة، فإن الجميع يتفق على أن توفير مزيد من التعليم هو أمر حيوي للولايات المتحدة كي تظل مجتمعا تسيطر عليه الطبقة الوسطى. فالآباء الذين لم يفكروا قط في خوض التعليم الجامعي، يعملون بكل طاقاتهم لتوفير مبالغ مالية تساعد أبناءهم على الوصول إلى مراحل متقدمة من التعليم.

ولكن بدلا من أن تعمل الحكومة على توفير التعليم الجامعي لجميع من يستحقه، فإن قروض الكليات تحولت إلى مجال للكسب المالي. فالبنوك الكبيرة تتنافس فيما بينها لإقراض الطلبة وآبائهم. فضلا عن ذلك فإن القروض الحكومية ليست كافية بالقدر الذي يسمح للمواطن الأميركي بتحمل الارتفاع الرهيب في تكاليف الدروس الجامعية، حيث لا توفر هذه القروض حاليا أكثر من 20% من التمويل التعليمي، أي بزيادة 4% فقط عما كانت عليه منذ عشرة أعوام.

ونتيجة لذلك، فإن الطلبة والآباء يقعون ضحايا لشركات القروض، تماما كما يقعون ضحايا لشركات بطاقات الائتمان. فالرسوم الخفية ورسوم الفائدة العالية وغرامات تأخير السداد، كلها عوامل حولت قروض الطلبة إلى بئر لا ينضب معينه من الأرباح للبنوك وشركات الائتمان. إن البنوك تفرض غرامات ورسوم دفع متأخر، ليس من أجل تغطية خسائرها وإنما من أجل زيادة أرباحها.

ومنذ أعوام قليلة، مرر الكونغرس برنامج إقراض مباشر يوفر أموال دافعي الضرائب عن طريق التخلص من دور البنوك كطرف وسيط، غير أن اللوبي المصرفي في البلاد تدخل لإيقاف العمل بهذا البرنامج. ومارس أعضاؤه نفوذهم لدى المسؤولين وقدموا دعما للمدارس وعرضوا المساعدة على توفير قروض الطلبة، وذلك بهدف واحد هو حماية مكاسبهم الرهيبة التي يجنونها من قروض الطلبة.

واقر الكونغرس الديمقراطي الجديد بقيادة الجمهوري جورج ميلر، إصلاحات من شأنها التخلص من هذه الإجراءات التي تسيء استغلال الشعب الأميركي، حيث جرت الموافقة على مشروع قانون من شأنه، خلال خمسة أعوام، تقليص رسوم الفائدة إلى النصف للطلبة المحتاجين. كما يرفع القانون من المنح المقدمة للفقراء، والأهم من ذلك أنه يضع حدا للمبلغ المالي الذي يتعين على الطالب المتخرج دفعه، وهو 15% من إجمالي دخله.

بالطبع تعتبر هذا خطوة جيدة ولكنه ليس كل الحل، حيث سيظل الآباء والطلبة معرضين لتشكيلة مختلفة من الفوائد والرسوم الخفية والغرامات التي تفرض عليهم بسبب أي تأخير في الدفع. والخريجون سيجدون أنفسهم في ورطة ولن يستطيعوا الحصول على وظيفة في القطاع العام بسبب أن ديونهم تفوق الرواتب المقدمة إليهم. بل أن آخرين كثيرين سيقررون مقاطعة التعليم الجامعي.

نحن كمجتمع علينا التصرف بشكل مختلف. يتعين علينا الدفاع عن الجامعات العامة والعمل على أن تكون تكاليفها في متناول الجميع. غير أن أعضاء مجلس الشيوخ من المحافظين يعارضون أي تدخل حكومي في عمليات الإقراض ويقفون مع البنوك بدلا من تدعيم الطلبة. وهدد الرئيس بوش باستخدام الفيتو بسبب تشريع من مجلس النواب يتسبب في اقتطاع جزء كبير من الدعم الموجه للبنوك الخاصة.

نحن لن نتمكن من جعل الجامعة في متناول الجميع، إلا من خلال القيام بحالة تمرد واسعة النطاق من قبل الآباء والطلبة وحديثي التخرج.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»