تختلف الأوضاع الاقتصادية في أغلب الأقاليم الروسية بنسبة كبيرة عن الوضع الاقتصادي في موسكو، ليس فقط لأنها العاصمة وتحظى باهتمام الكرملين، وإنما لأنها كانت وما زالت المركز المالي الأول في روسيا الذي يتلقى كافة التحويلات وحركة الأموال. إضافة إلى أن حكومة موسكو تخضع لنفوذ أحد أكبر محتكري تجارة وبناء العقارات في روسيا، ويسيطر عليها منذ أكثر من عشر سنوات ويتحكم في أسواق المال والعقارات.

هذا الوضع جعل موسكو أغنى مدينة في روسيا، وحول بقية الأقاليم إلى مناطق فقيرة يعيش أكثر من40% من سكانها تحت خط الفقر، بل ان فشل حكومات الأقاليم في النهوض بمستوى المعيشة دفع الآلاف من مواطنيها إلى هجرة هذه الأقاليم والتوجه إلى العاصمة موسكو، ليتضخم تعداد سكان العاصمة خلال أقل من 15 عاماً من 9 ملايين نسمة ليصل لأكثر من20 مليون نسمة.

في نفس الوقت الذي تراجع فيه تعداد السكان في عدد من الأقاليم الروسية، خاصة في بعض مناطق شرق سيبيريا حيث تصل الكثافة السكانية لحوالي مواطن واحد لكل 5, 1 كيلو متر. وتناقص الكثافة السكانية في هذه الأقاليم فسح المجال لغزو العمالة الصينية في مناطق الشرق السيبيري، بل وبدأ يهدد السيادة الوطنية في مناطق سخالين وجزر الكوريل الجنوبية التي تطالب بها اليابان باعتبار أن هذه المناطق جزء من الأراضي اليابانية احتلها الجيش الروسي في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبعد أن أصبحت السيادة الروسية على هذه المناطق مهددة، بسبب هجرة أبنائها لهذه الأقاليم بحثاً عن لقمة العيش أو مطالبة الذين بقوا بفسح المجال للسيادة اليابانية أو الأجنبية لعلها تنتشلهم من أزماتهم، بعد هذه التطورات الخطيرة بدأت الحكومة الروسية تدرس عدة برامج للنهوض بهذه الأقاليم، وكافة المناطق الروسية التي تعاني من أزمات اقتصادية.

وكانت البداية في جزر الكوريل الجنوبية بسبب الخلاف بين روسيا واليابان على هذه الجزر، الذي جمد توقيع معاهدة السلام بين البلدين، حيث تطالب اليابان باستعادة سيادتها على الجزر بعد أن فرضت روسيا نفوذها عليها عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وقررت الحكومة الروسية التعامل مع هذا الإقليم باعتباره منطقة تابعة للسيادة الروسية، وبدأت تنفيذ خطط اقتصادية تستهدف تحسين مستوى معيشة السكان وتطوير اقتصاد الإقليم، بهدف إقناع سكانه بالتمسك بالسيادة الروسية، وإبعادهم عن الإغراءات المادية اليابانية.

وتحيط بالجزر التي تبلغ مساحتها الكلية خمسة آلاف كم مربع مياه غنية بالأسماك، وتعتبر منطقة استراتيجية عسكرية بالنسبة للروس الذين يسمونها جزر كوريل الجنوبية، بينما يسميها اليابانيون أراضي الشمال. وتستهدف الحكومة من برنامجها لتطوير جزر الكوريل زيادة تعداد سكان المنطقة في عام 2015 إلى الضعف ليصبح 30 ألف نسمة، وذلك عبر توفير فرص العمل المجزية، وخطط إعمار الجزر

. ومن المتوقع أن يحقق برنامج التنمية نمواً في حجم الصناعات وزيادة في متوسط دخل الفرد قد تصل إلي أكثر من الضعفين. وكانت الحكومة قد صادقت العام الماضي على تخصيص 630 مليون دولار لتنفيذ برنامج تنمية جزر الكوريل 2007-2015، حيث تحصل الجزر سنوياً على ميزانية من الحكومة تقدر بحوالي 70 مليون دولار، ما يعنى تخصيص 12 ألف دولار لكل مواطن من سكان الجزر،

بهدف تطوير اقتصاد المنطقة وتحسين ظروف السكان. وتزيد هذه الميزانية عما قررت السلطات اليابانية تخصيصه لجزر الكوريل في حال استعادة سيادتها عليها بحوالي 40%. ويتضمن برنامج التنمية المذكور الإنفاق على إعادة إعمار المطارات والموانئ، وتحديث محطة توليد الطاقة الكهربائية، وتطوير مجمع استثمار الثروة السمكية، ورصف الطرق.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا البرنامج قد اقر بعد أن أجرت مؤسسات وزارة الثروات الطبيعية عدة دراسات حول الثروات الطبيعية في جزر الكوريل، خاصة باستكشاف منابع للنفط والغاز، وبعد أن اكتشفت مناجم للذهب والفضة، وكانت مراكز الأبحاث الروسية قد اكتشفت منذ عدة سنوات حقلاً للرينيوم في جزيرة ايتوروب جنوب الكوريل، وهو معدن يستخدم في إنتاج الصواريخ البالستية «توبول-إم»، وتقرر آنذاك البدء في استثمار هذا المعدن لتطوير منتجاتها العسكرية.

والجدير بالذكر أن برنامج التنمية السابق الذي بدأ تنفيذه في عام 1995، لم يتمكن من تحقيق انجازات ملموسة حيث فشل في تنفيذ 73% من المشروعات المقرة في البرنامج، كما أن تعداد سكان المنطقة تناقص بنسبة 41%.

ومنذ فترة قريبة وبعد أن اتضحت الهوة الكبيرة بين مستوى المعيشة في موسكو وبقية الأقاليم الروسية، عقدت الحكومة سلسلة اجتماعات لبحث سبل النهوض بمستوى هذه الأقاليم ولإيقاف النزيف السكاني الذي تعاني منه ويهدد وجودها.

وتمت المصادقة على قرار يقضى بتخصيص مبلغ 566 مليار روبل (ما يعادل 2 ,22 مليار دولار) لتنمية أقاليم شرق روسيا خلال فترة تمتد إلى عام 2013، حيث تنوي الحكومة توظيف هذه الأموال في مشروعات استثمارية لزيادة عائدات الخزينة في كل إقليم، ما يجب أن يؤدي لزيادة متوسط دخل سكان هذه الأقاليم.

إلا أن المسألة ليست بهذه البساطة، فكيف يمكن استثمار هذه الأموال في مناطق تصل الكثافة السكانية فيها 1 ,1-8,0 شخص لكل كيلو متر مربع، حيث لا يزيد تعداد سكان الأقاليم المجاورة للصين عن 4 ملايين نسمة، ناهيك عن أن فترات الأزمة والفقر قد أدت لأن تفقد هذه المناطق الأيدي العاملة المدربة والخبرات المهنية،

ما يعني أن إقرار ميزانية لتحسين مستوى الحياة في هذه الأقاليم بهذا الأسلوب فيه شيء من العشوائية ويصعب التعامل معه بجدية، وباعتبار أن هذا القرار يأتي على أعتاب معارك الانتخابات البرلمانية والرئاسية، والتي ستبدأ مع بداية الخريف القادم لتنتهي في بداية صيف عام 2008.

إن حالة الانفصام التي تعيشها روسيا بين مستوى الحياة في موسكو وبيتربورج من جهة، ومستوى الحياة في أغلبية بقية الأقاليم، تثير الدهشة وتبعث على التساؤل عن حقيقة خرافة تحسن الوضع الاقتصادي في البلاد. فعلى مدار السنوات الطويلة الماضية تدهورت الظروف الاقتصادية في عدد من الأقاليم والمدن الروسية، (خاصة في المدن التي شيدت حول نشاط اقتصادي محدد مثل صناعة الفحم)،

ولم تجر أية محاولات لإخراج هذه المدن أو الأقاليم من أزماتها التي كانت تدفع شركة الشبكات الكهربائية لقطع الكهرباء عنها بسبب تراكم مديونياتها، أو تجبر شركة «غاز بروم» على إيقاف إمداد هذه المدن بالغاز، بسبب توقفها عن سداد قيمة ما تستهلكه من الغاز لعدة شهور أو سنوات.

قرار الحكومة بالرغم من ايجابياته، إلا انه يثير الشكوك بعدم تحديده لسبل النهوض بهذه الأقاليم، وتحسين مستوى معيشة سكانها. ما قد يدفع البعض للاعتقاد أنه مجرد قرار انتخابي، سيستفيد منه رموز الفساد في الأقاليم، ولن يحقق نهوضاً في مستوى معيشة المواطن الروسي.

مركز دراسات الطاقة روسيا