في رحلة شيقة إلى سنغافورة الجميلة، أرض الأسد كما تعني بلغة «الملايو» عرجت على أحد المستشفيات لإجراء بعض الفحوصات الطبية، وخلال الأيام القليلة التي قضيتها متنقلاً بين العيادات التقيت مجموعة من الأطباء الذين تعلمت منهم حكماً في الحياة أكثر مما تعلمته في المدرسة.

وكان كل طبيب يأخذ وقته في التشخيص ومناقشة النتائج مع المريض، حتى أن بعض الأطباء كانت في غرفهم «سبورة» بيضاء - كتلك التي تقبع في غياهب فصول الجامعات العربية - ليتمكن الطبيب من شرح المرض أو المشكلة للمريض بتفصيل دقيق جداً، حتى أن المرافقة التي كانت معي في المستشفى قالت لي بأنها تحب عيادة الطبيب فلان لأنه يذكرها بأيام دراستها في الكلية.

مشكلتي كانت - وأظنها مشكلة معظم الناس اليوم - هي التوتر الذي يسببه ضغط العمل، حيث خرجت بعد أسبوع من الفحوصات بجملة مفادها أنني يجب أن أوازن بين وظيفتي وحياتي بشكل عام، وكان علاجي هو مجموعة كتب عن بساطة الحياة وكيفية مواجهة ضغوطاتها اليومية.

وإذا كنت عزيزي القارئ ممن يعانون من هذه الضغوطات فعليك بكتاب Simple Living Guide الذي نصحني به أحد الأطباء الذين قابلتهم حيث سألني الطبيب عن سبب إجهادي لجسدي وعقلي في العمل فقلت له بأننا في دبي نعيش حلماً ونريده أن يتحقق بسرعة فقال لي: وما الفائدة إذا حققت الحلم وفقدت الحقيقة.

في سنغافورة كل شخص يتعلم، وكل شخص يعلم أيضاً، حتى سائق التاكسي صاحب التعابير المضحكة جدا - والذي حاولنا أنا وزوجتي ألا نضحك أمامه - كان يحدثنا بشغف عن سنغافورة في كل مرة ينقلنا من مكان إلى آخر، وفي كل مرة يقول لنا إن سنغافورة لا يمكن أن ترى على الخارطة إلا أن العالم كله يعرفها.

في عام 2003 حصل الطلبة السنغافوريون على المركز الأول في اختبارات الذكاء العالمية الخاصة بالرياضيات والعلوم TIMSS وذلك في منافسات الصف الدراسي الرابع والصف الثامن، وحققوا نتائج قياسية مقارنة بباقي دول العالم، وكانت المفاجأة أن طلبة الولايات المتحدة لم يدخلوا في أفضل عشر دول وفي كثير من الأحيان تقدم طلبة هنغاريا على الطلبة الأميركان.

عندما بحثت عن أسباب تفوق السنغافوريين بهذه الصورة المطردة وجدت ثلاثة أسباب لذلك وهي: توفر جميع مصادر المعرفة في البيت والمدرسة على حد سواء، كالكتب والإنترنت والإرشاد المدرسي والمختبرات وبرامج الكمبيوتر وغير ذلك من وسائل تعين الطالب على دراسته ولكن بصورة حيوية ومتجددة حتى لا يفقد معها رغبته في الدراسة.

توفر بيئة صحية وآمنة للطلبة في المدارس، والغريب هنا أن هذا التقييم لا يمت بصلة إلى مباني المدرسة ومرافقها - حيث تصنف هذه الأمور في النقطة الأولى - ولكن يقيّم هنا الأساتذة وأولياء الأمور على حد سواء.

حيث يعتبر رضا الأستاذ عن وظيفته وفهمه للمواد الدراسية وتطبيقها بالشكل السليم بيئة صحية للطالب، وتعتبر مشاركة ولي الأمر في شؤون الطالب المدرسية ومتابعته المستمرة في المدرسة بيئة آمنة للطالب، وفي هذين المقياسين تفوقت المدارس السنغافورية على نظيراتها في العالم.

شغف الطلبة بمادتي الرياضيات والعلوم، وهو أمر غريب نوعاً ما فأذكر أننا كنا نضجر من هاتين المادتين في المدرسة وخصوصاً مادة الرياضيات التي دائماً ما كنا نتساءل لماذا يعلموننا إياها، إلا أن 75% من الطلبة السنغافوريين يجدون هاتين المادتين مسليتين جداً.

يزول العجب إذا علمنا بأن الحكومة السنغافورية بذلت جهوداً كبيرة بين عامي 1995 و1999 لجعل الرياضيات والعلوم مادتين محبوبتين لدى الطلبة، فقامت بتعديل المناهج ليتعلم الطلبة المبادئ الأساسية في الرياضيات والعلوم مرة واحدة ومن ثم يفتح المجال لهم لتطبيق ما تعلموه من نظريات على أرض الواقع وهو نظام يطلق عليه عالميا Multi-Step problem solving method .

حيث يطبق الطلبة المبادئ التي تعلموها على مشاكل عملية مختلفة كل عام، وهو عكس النظام العربي الذي يؤمن بتعليم المبادئ الأساسية للطلبة كل سنة لكي يحفظوها عن ظهر قلب - الأمر الذي لم يجد نفعا حتى اليوم - حيث لا أذكر أننا طبقنا مفهوماً واحداً من مبادئ الرياضيات على أي مشكلة عملية.

وعندما استخدمت المناهج والأساليب السنغافورية في تدريس الرياضيات والعلوم في بعض المدارس الأميركية بدأ الطلبة يحبون هاتين المادتين وبدأت درجاتهم بالتحسن فيها. مما شجع العديد من المدارس الأخرى على تبني النظام السنغافوري في التعليم.

في سنغافورة ذهبت مع أسرتي إلى السفاري الليلية، وهي الأولى من نوعها في العالم حيث يمكنك أن تشاهد الحيوانات عن كثب في جنح الليل، وخلال الرحلة كانت المرشدة تذكر لنا أرقاماً دقيقة عن الحيوانات فذكرت بأن الزرافة يصل ارتفاعها إلى ارتفاع مبنى من ثلاثة طوابق.

وأن وحيد القرن يصل وزنه إلى ثلاثة أطنان ونصف وأن النمر الهندي يستطيع أن ينام لمدة 20 ساعة متواصلة... استغربت من هذه المعلومات الدقيقة وعلاقتها بالأطفال والزوار الذين أتوا لمشاهدة الحيوانات وليس فيلماً وثائقياً عنها.

وقبل أن تنتهي الرحلة قالت المرشدة: كلنا يحب سنغافورة وكلنا يريد لأبنائه وبناته أن يشاركوا في صناعة نهضتها، ولكن حتى يستطيعوا فعل ذلك فإن عليهم أن يفهموا وحتى يفهموا فيجب عليهم أن يتعلموا، وحتى يتعلموا جيداً فإن عليهم أن يقدروا قيمة المعلومة لذلك لم تكن هذه رحلة ترفيهية فقط ولكننا أردناها أن تكون تعليمية أيضاً.

باحث إماراتي

yasser.hareb@gmail.com