كان أمراً ملفتاً يستحق التوقف عنده، إعلان شهداء الأقصى وليس سواها منذ أيام قليلة توعدها بالقضاء على حماس، والملفت في الموضوع هو أن هذا التوعد والتهديد يأتي بعد مضي أكثر من حوالي شهرين على الصراع الدامي الذي جرى بين فتح وحماس في مناطق السلطة.
وحسم هذا الصراع لصالح حماس، والنتائج التي ترتبت على ذلك من إقالة رئيس الحكومة الفلسطينية المنتخبة إسماعيل هنية وتعيين سلام فياض خلفاً له، وإعلان أن ما حصل هو انقلاب على الشرعية الفلسطينية، وتعطيل دور المجلس التشريعي لحسم التأويلات الدستورية باتجاه معين.
إضافة إلى مسلسل التغييرات التي أجراها الرئيس الفلسطيني محمود عباس داخل الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي كانت السبب الحقيقي لهذا الصراع الداخلي المسلح، والمتهمة أيضاً بملفات الفساد والرشوة والتقاعس عن القيام بالواجب، حيث لم يصدق أحد من المتابعين للشأن الفلسطيني أن تنهار فتح بهذه السرعة وهذه السهولة في مناطق غزة.
أن يأتي هذا التهديد وفي هذا التوقيت من الجهة المفترض أن تكون على الحياد على أقل تقدير في هذا الصراع، وان تنصرف إلى عملها المناضل ضد العدو والاحتلال، فهذا يعني أن الصراع تجاوز حدوده المرسومة داخل المجتمع الفلسطيني الذي يعرف حدوده والخطوط التي ينبغي أن تكون مجالاً لحركته ومناوراته السياسية.
والملفت أيضاً أن هذا التهديد يأتي في الوقت الذي بدأت مساعي التهدئة بين الطرفين تشق طريقها تقريباً نحو النجاح، وهذا ما عبّر عنه إسماعيل هنية نفسه بأنه مستعد للتنازل عن الحكومة من أجل الموقف الموحد، رغم المواقف التي لا تزال تُحمّله وزر ما حصل ومتمسكة بتهمة الانقلاب.
وأعلن هنية انه ليس متمسكاً بالكرسي، «إذا كان ثمن الوفاق الوطني الكرسي فنحن جاهزون لتقديم هذا الثمن»، داعياً إلى شراكة سياسية حقيقية لأن لا نظام سياسياً بلا فتح وحماس كأساس، في هذا الوقت أعلن أحمد عبدالرحمن الناطق الرسمي باسم فتح عدم معارضة حركته للحوار مع حماس، بشرط الاعتراف بالشرعية الفلسطينية المتمثلة، برئاسة عباس والتراجع عن الانقلاب العسكري الذي نفذته في القطاع ضدها.
وفيما عبّر إسماعيل هنية عن جاهزيته للحوار وكشف أن هناك قنوات اتصال تقوم بها بعض الدوائر لإخراج الوضع الفلسطيني من التأزم، إلا أنه لم يخف تحفظه عندما أعلن أن هذه الحوارات لا يمكن أن نسميها حوارات برأسين بين فتح وحماس، وقال إن تحقيق هذه الغاية والأمر مرهون حسب قوله بصدق النيات وعدم الرهان على أميركا وإسرائيل.
وما لم يقله إسماعيل هنية قاله مستشاره د. أحمد يوسف، حيث ذكر أن هنالك بالفعل اتصالات تجريها شخصيات فلسطينية مستقلة وحزبية لها صدقيتها لرأب الصدع، معلناً أن فتح تنكر هذه الحوارات لأنها ليست بتفويض رسمي من القيادة في رام الله، وأضاف «لكنهم يعلمون جيداً أن هذه الاتصالات والأفكار من أجل عودة التوافق».
ولكن الكلام الجديد الذي قاله أحمد يوسف ليس تأكيد الحوار القائم بين فتح وحماس، بل الأخطر والأهم هو ما وجهه إلى أبو مازن، وكأنها رسالة إن لم نقل إنها رشوة بأن حماس خير شريك له، سواء في إدارة الصراع مع الإسرائيليين أو مع أطراف داخل فتح».
وشدد يوسف على أنه لن يكون هناك مؤتمر للسلام في الخريف المقبل قبل إجراء مصالحة فلسطينية، مضيفاً أن «الصلح قادم وسنصل إلى فض النزاع والتفاهم، قبل المؤتمر بكثير، وسيتم تشكيل حكومة وحدة فلسطينية بتوافق وطني، عندها سيذهب أبو مازن إلى مؤتمر السلام الذي دعا إليه بوش في الخريف المقبل مسلحاً بالتوافق الفلسطيني كله».
قد يفسر البعض هذا الكلام الجديد لحماس بطريقة تبسيطية، حيث يذهب إلى الاستنتاج أن حماس مأزومة وتسعى إلى استدراج عروض لقبولها في المصالحة الداخلية، ولكن هذا التبسيط يفتقر إلى التحليل الموضوعي النزيه، لأن هذا الموقف الجديد والمتطور من عملية التسوية إلى جانب أبو مازن يستدعي قراءته بطريقة واقعية، والخروج من دائرة التوعد والتهديد التي جاءت إليها شهداء الأقصى متأخرة.