بانتظار جلاء الصورة الحقيقية لتحرك إبراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق السابق، لا بد من مراقبة حركة الرجل الذي غاب طوال الفترة الماضية الذي يستعد لدور سياسي جديد على الساحة العراقية المليئة بالأحداث والتطورات، ليس أقله العودة إلى رئاسة الحكومة بل وهذا ما يبدو جلياً أن تكون هذه العودة مقرونة بمشروع سياسي وبرنامج عمل ترافقه خارطة تحالفات تعطيه الأفضلية لتسلم الزعامة التي فقدها اثر مسلسل التفجيرات والخلافات التي سادت خلال إدارته للعملية السياسية في ذلك الوقت.
فقد كشفت المعلومات أن الجعفري زعيم حزب الدعوة يعد للإعلان قريباً عن تأسيس تيار سياسي جديد باسم «تجمع الإصلاح الوطني»، متزامناً هذا الأمر مع رغبة شديدة من الجناح السياسي الذي يؤيده في حزب الدعوة في العودة إلى السلطة والترشح في الأشهر المقبلة لمنصب رئيس الحكومة أو لرئاسة الجمهورية وهذا هو الأمر الجديد، إذا تم تعديل الدستور ليكون النظام في العراق رئاسياً برلمانياً بدلاً من النظام الحالي، ما يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات جديدة شبيهة بصلاحيات رئيس فرنسا حسب قول البعض وهذا ما يعمل له الجعفري حالياً.
والجعفري الذي كان المسؤول الأول في حزب الدعوة لعدة سنوات خلت، كان أول رئيس لمجلس الحكم العراقي الذي تم إنشاؤه بعد احتلال بغداد وسقوط النظام السابق، ويبدو أنه حسم خياراته السياسية واتخذ اتجاهاً آخر بعيداً عن هذا الحزب، هذا الابتعاد الذي يشبه الانشقاق، خصوصاً بعد انتخابات القيادة التي جرت بالحزب في شهر مايو الماضي والتي كان ينافسه فيها نوري المالكي، وتطورت الخلافات بين الجناحين في أعقاب تشكيل التحالف الرباعي المؤلف من حزب الدعوة والمجلس الأعلى والحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني الذي اعترض عليه الجعفري بشدة، ورغبته في تأسيس تيار سياسي وطني واسع يكون للسنة العرب الثقل الأساسي والمناسب فيه.
والملفت في هذه الحركة السياسية الجديدة للجعفري المترافقة مع المحادثات الحاصلة بين الأميركيين والإيرانيين والتي يبدو أنها تحقق بعض التقدم، أنه سيدخل الانتخابات المقبلة لمجالس المحافظات منفرداً، وليس ضمن قوائم حزب الدعوة أو الائتلاف الشيعي أو التحالف الرباعي، كما يتوقع العديد من المراقبين أن يحصل هذا التجمع على أعلى نسبة من الأصوات، بسبب انضمام تيارات وأحزاب سياسية بارزة سنية وشيعية ومسيحية وعلمانية وإسلامية إليه. وسيتكون على ما يبدو من الحزب الإسلامي والتيار الصدري وحزب المؤتمر الوطني وجناحين آخرين من حزب الدعوة وحزب الفضيلة وأحزاب وشخصيات كردية متعددة.
الواضح أن حركة الجعفري ليست معزولة تماماً عن التحضيرات الجارية لترتيب الساحة العراقية التي تترافق مع العملية الأمنية، والتي عنوانها حالياً اجتماع خبراء الأمن في دول الجوار في العاصمة السورية المنبثق عن مؤتمر أمن العراق الذي عقد في شرم الشيخ مطلع مايو الماضي، للبحث في آليات التعاون بين كل الأطراف لضبط الحدود والتنسيق مع الحكومة العراقية، فيما يلفت للانتباه التوافق الذي حصل في الاجتماع الثالث بين الأميركيين والإيرانيين، حيث تم الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية تأخذ على عاتقها معالجة الملفات المدرجة على جدول أعمال سري، كما وصفه وكيل وزارة الخارجية العراقية لبيد عبادي، وإقرار نوع التحرك المطلوب أمنياً وسياسياً.
وهذا التقدم يعتبر اختراقاً مهماً في هذه المحادثات التي رسم البعض حولها في الأيام الماضية صورة قاتمة، كما تم تسجيل مرونة كبيرة وتفاهم في طرح الملفات الأمنية بين الجانبين الإيراني والأميركي، وكانت الأجواء مشجعة جداً في إقرار اللجنة الأمنية، وفق تعليق الجانب العراقي على هذه المحادثات، فيما علق مارسي اليس المسؤول الأميركي على هذا الإنجاز انه الأمن في العراق فقط. إنها جملة تلخص آفات الحركة السياسية الجارية حالياً في العراق، كما تعيد فهم حركة إبراهيم الجعفري الذي لا يتحرك بلا مرجعية داعمة، كما توضح بشكل لا لبس فيه موقف كتلة التوافق من الحكومة وتهديد كتلة علاوي بورقة الانسحاب من حكومة المالكي.