شهدت منطقة الشرق الأوسط في الفترة الأخيرة أحداثاً هامة، سياسية ودبلوماسية وعسكرية، جديرة بالدراسة والتحليل، وذلك لأنها مقدمات لأحداث أخرى قادمة قد تكون على درجة كبيرة من السخونة. هذه الأحداث يمكن أن تُصنف في مجموعتين: صَنعت الولايات المتحدة المجموعة الأولى، وصنع لاعبون آخرون المجموعة الثانية. وتتلخص أحداث المجموعة الأولى بما يلي:

1. تعيين توني بلير مبعوثاً خاصاً للجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط، وهي اللجنة التي عُهد إليها بالملف الفلسطيني. وهذه مكافأة أميركية للجهود التي بذلها بلير بالتنسيق مع الولايات المتحدة خلال عشر سنوات من رئاسته للوزارة البريطانية.

2. تحرك قوي في الشرق الأوسط مارس فيه وزير دفاعها غيتس ووزيرة خارجيتها رايس ضغوطاً شديدة، في زيارتهما الأخيرة للمنطقة، لانتزاع دعم الدول العربية للعملية السياسية في العراق، وللتعجيل بالحصول على بعض النتائج الإيجابية لمسار هذه العملية، كي تنعكس في التقرير المزمع تقديمه من قبل السفير الأميركي في بغداد رايان كروكر والجنرال ديفيد بيتريوس القائد الأميركي في العراق، في سبتمبر المقبل، حول مستقبل الاستراتيجية الأميركية في العراق، وذلك للتخفيف من النقمة التي تسود أوساط الرأي العام الأميركي والكونغرس بسبب فشل إدارة الرئيس بوش في التعامل مع الملف العراقي.

3. الإعلان عن عقد صفقات أسلحة أميركية بمبالغ كبيرة جداً لعدد من الدول العربية.

4. إرسال حاملة طائرات ثالثة إلى الخليج العربي لتعزيز الوجود العسكري الأميركي فيه.

5. تقديم مشروع قرار إلى الأمم المتحدة بالاشتراك مع بريطانيا، لتنشيط دور المنظمة الدولية في الشأن العراقي. فالولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى إشراك جهات أخرى في تحمل مسؤولية الوضع في العراق، وبحاجة كذلك للتخفيف من تشنج العلاقات مع روسيا بسبب الدرع المضاد للصواريخ الذي تزمع إقامته في تشيكيا وبولندا، وبحاجة كذلك إلى دعم بعض الدول الأوروبية، التي وقفت منذ البداية ضد التدخل العسكري الأميركي البريطاني في العراق، لسياسات أميركية قادمة في المنطقة.

فقد أبدت روسيا رضاها عن مشروع القرار، ومن المتوقع ألا يلقى هذا المشروع معارضة من أحد. كما أن من المتوقع أن لا يكون للمنظمة الدولية دور يتعارض مع المصالح الأميركية ومع سياساتها في المنطقة، إذ أن من المستبعد جداً أن تتنازل الولايات المتحدة عن بعض سلطاتها في العراق لأحد.

فالمشروع المقدم ليس في الحقيقة غير خطوة سياسية احترازية تتمكن للولايات المتحدة من الاستفادة منها في أكثر من صعيد، فقد تَضمنَ منح الأمم المتحدة فسحة للمساعدة في تقديم خدمات استشارية تساعد على إجراء حوار وطني بين الفرقاء العراقيين وعلى إتمام المصالحة الوطنية والعمل على تعديل الدستور. وهذه الأهداف تصب في مصلحة الولايات المتحدة التي ترى فيها مدخلاً لا بديل عنه لنجاح العملية السياسية في العراق، إلا أنها فشلت في تحقيقها رغم الضغوطات التي مارستها وتمارسها على الحكومة العراقية وعلى مجلس النواب وعلى الكتل السياسية المختلفة، على مدى السنوات الأربع المنصرمة.

أما المجموعة الثانية من الأحداث فتتلخص بالآتي:

1. قيام رئيس الوزراء البريطاني الجديد غوردون براون بتعيين مايكل ويليامز الذي شغل منصب المنسق الخاص لعملية السلام التابع لمكتب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وعمل قبل ذلك مستشاراً لوزيري خارجية بريطانيا روبن كوك ثم جاك سترو اللذين اختلفا مع بلير في عدد من المواقف السياسية ونُحيا عن منصبيهما بسبب ذلك. وهذا الإجراء كما يرى بعض المراقبين يعبر عن رغبة براون في اتخاذ مسار أقل قرباً من واشنطن وتل أبيب، على العكس من موقف سلفه توني بلير الذي كان يعتمد على المبعوث السابق اللورد ليفاي المقرب من تل أبيب.

2. اتجاه الوضع في العراق نحو المزيد من التأزم بدل نزوعه نحو الانفراج، فقد تضاءلت الفرص المتوافرة أمام الحكومة العراقية لتحسين موقفها في الداخل، فانسحاب جبهة التوافق العراقية من الحكومة مؤخراً وتهيؤ القائمة العراقية لاتخاذ موقف مشابه، والتوجس الذي عكسته تصريحات بعض المسؤولين الأكراد حول موقف الحكومة من المادة 140 الخاصة بتطبيع الأوضاع في كركوك، قد ضاعفت من أزمة حكومة المالكي وأضعفتها إلى درجة أقلقت الرئيس الأميركي، ففي تصريح أدلى به في الخامس من أغسطس الجاري ذكر أن الأزمة الحكومية التي يعيشها العراق حالياً تثير الرأي العام الأميركي ضد إدارته وتضغط باتجاه سحب قواته من العراق.

3. تعثر المحادثات الأميركية الإيرانية، فالجولات الثلاث من الحوار التي أجريت حول العراق حتى الآن، اثنتان منها على مستوى السفراء، لم تحقق أية نتائج تستحق الذكر بسبب التباين الكبير بين أجندة الطرفين. ومع أن إيران هي المستفيد الوحيد من هذا الحوار أياً كانت مخرجاته، إلا أن القلق الأميركي يتزايد حول حجم التنازل الذي تسعى إيران إلى انتزاعه من الولايات المتحدة كي تخفف من تدخلها في الشأن العراقي.

فما هو المتوقع في خضم هذه الأحداث، خاصة وأن استحقاقات بعضها باتت قريبة، فشهر سبتمبر الذي سيشهد مواقف عاصفة في الكونغرس الأميركي حول مستقبل الاستراتيجية الأميركية في العراق قد أصبح على الأبواب؟

ليس هنالك غير أحد خيارين أمام الرئيس الأميركي:

1. الهروب إلى الخلف والانسحاب من العراق، وتوجه كهذا سيترك الأوضاع في هذا البلد تتجه نحو مستقبل لا شك فيه، وهو تصاعد الحرب الأهلية على أسس طائفية بعد أن غَرست الولايات المتحدة بذور هذه النبتة الخبيثة في رحم المجتمع العراقي وجعلتها مفردة للتداول في المعجم السياسي العراقي اليومي، منذ البدايات الأولى للعملية السياسية عند تشكيل مجلس الحكم.

وحرب من هذا القبيل ستقود لا محالة إلى تقسيم البلد إلى مناطق تخضع سياسياً لنفوذ الدول المجاورة التي لا تخفي أطماعها في العراق وفي ثرواته، فالعراق لا يمتلك في الوقت الحاضر القدرات التي تساعده على البقاء متماسكاً. وفي ظل ظروف من هذا القبيل يضطر الإقليم الكردي إلى الانغلاق على نفسه، إذ ليس من مصلحته الدخول في الصراعات المذهبية المجنونة، والتوجه مضطراً نحو إعلان دولته ومواجهة ما قد يترتب على ذلك من مخاطر اجتياحه من قبل دول الجوار التي لا تبدي تعاطفاً مع طموحات وتطلعات الشعب الكردي، ولا تعترف بحقه في تقرير مصيره.

2. الهروب إلى الأمام وتوسيع ساحة القتال لتشمل دولاً مجاورة للعراق لعبت دوراً لا يخفى على أحد في تردي الأوضاع فيه ووصولها إلى ما وصلت إليه. وهذه في الحقيقة مغامرة كبيرة لا تورط فيها الولايات المتحدة نفسها فقط، بل تورط عدداً من دول المنطقة على الرغم من إراداتها. ومن المتوقع أن يلقى توجه كهذا معارضة شديدة من الدول الأوروبية ومن روسيا والصين، حيث ما زالت ترى أن المسار الدبلوماسي لم يستنفد جميع قدراته بعد في التعامل مع أزمات منطقة الشرق الأوسط.

عكست إدارة الرئيس بوش على مدى السنوات المنصرمة، رغم الفشل المتتالي الذي لقيته سياساتها، صلابة وصلت حد التشنج في مواقفها إزاء منتقديها سواء في داخل الولايات المتحدة أو خارجها، وعكست هذه الإدارة كذلك عقلية مغامرة ترى في امتلاك السلاح المتفوق امتلاكاً لحقوق غير محدودة تبيح لها ما هو محظور على غيرها.

ويبدو في هذا السياق أنه من المستبعد أن يغيّر الرئيس الأميركي الخطوط الأساسية لاستراتيجيته، فهو في نهاية فترته الانتخابية الثانية وهذا يحرره من قيود الاستحقاقات الانتخابية التي تفرض عادة مواقف فيها الكثير من المرونة وتفرض نزعات نحو تقبل الحلول الوسطية لامتصاص غضب الرأي العام وتحسين صورته أمامه.

هنالك مؤشرات عديدة تشير إلى أن الإدارة الأميركية ترجح الخيار الثاني، فالخروج من العراق ليس خياراً مطروحاً أمامها لأن ذلك يلحق ضرراً كبيراً بهيبة الولايات المتحدة من جهة، وتعتبره هذه الإدارة بمثابة هزيمة في حربها على الإرهاب في العالم من جهة أخرى. ومما يعزز هذا الاستنتاج أن الأخذ بالخيار الثاني يساعد الولايات المتحدة على تحقيق رغبتها الشديدة في معالجة الخلل في توازنات الشرق الأوسط الذي نشأ بسبب الفراغ الكبير الذي تركه خروج العراق كقوة عسكرية هامة في المنطقة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae