شكلت كلمة «بيقولوا» بالنسبة لي مشكلة عويصة في طفولتي، فقد كنت أسمعها كثيرا في مجالس الكبار عندما يتحدثون ويتناولون القضايا الهامة في البلد والمجتمع، كنت أسمعهم دائما يقولون «بيقولوا إن أميركا هتساعد العرب»، و«بيقولوا إن إنجلترا ما عدتش تقدر تحارب مصر»، و«بيقولوا إن إسرائيل عندها سلاح قوي جدا» و« بيقولوا إن عبد الناصر يقدر يعمل كذا وكذا» ، وبيقولوا... وبيقولوا.. وبيقولوا.

كنت أسأل نفسي دائما وأنا صغير «يا ترى مين هم اللي بيقولوا؟»، وليه بيقولوا لكل الناس وما بيقولوش لي زيهم؟ وإمتى ها يقولولي؟» ، ولم أجرؤ قط على أن أسأل أحداً هذه الأسئلة خشية أن يتهمني بالجهل أو يقول لي «إنت لسه صغير.. بكره لما تكبر ها تعرف كل حاجة».

ولم أبلغ من العمر السادسة عشرة حتى وجدت نفسي فجأة وأنا أتحدث مع أصدقائي وبلا شعور أقول «بيقولوا إن..... »، لم أشعر بهذا التطور والنمو الخطير الذي حدث في شخصيتي وكاد الأمر يمر عاديا كأن شيئا لم يحدث لولا أن فاجأني أحد الأصدقاء بسؤاله «مين هم اللي بيقولوا كده؟»، وقع السؤال علي كالصاعقة، ولم تكن تشغلني الإجابة بقدر ما كان يشغلني السؤال في حد ذاته، لماذا يوجه لي مثل هذا السؤال أنا بالذات بينما الكثيرون يقولون «بيقولوا» ولا أحد يسألهم «مين اللي بيقول؟».

مرت علي هذه الحالة الغريبة في بداية عمري وكانت نهايتها عند سؤال صاحبي «مين اللي بيقولوا؟»، وأعترف أنني رغم معاناتي في طفولتي من هذا السؤال الذي لم أجرؤ على توجيهه لأحد، ورغم صدمتي النفسية في سن السادسة عشرة من توجيه صاحبي لي هذا السؤال، إلا أنني لم أستفد شيئا من معاناتي ومن صدمتي هذه في حياتي الماضية، على العكس تجاوزت المحنة ونسيت الصدمة وأصبحت مثل الجميع ممن حولي أقول «بيقولوا ..».

ولا أذكر بعد ذلك أن أحدا سألني «مين اللي بيقولوا؟»، وعلى ما يبدو أن هناك سنا معينا لا يستحي فيه الأشخاص أن يوجهوا هذا السؤال، وهو سن المراهقة والتمرد والرفض وحب الاستقلالية وتأكيد الذات، أما بعد ذلك وعندما نكبر فإننا نتعلم تلقائيا ألا نحرج أحدا ونستمع للجميع وما يقولونه على ألسنة الآخرين المجهولين، ولا نسألهم «مين اللي بيقولوا؟» حتى ولو كان ما يقولونه غريبا جدا ولا يتصور أن يقوله أحد، وخاصة إذا كان المتحدث من علية القوم أو من المثقفين والنخبة السياسية.

أعتذر للإطالة في سرد هذه التجربة الحياتية الخاصة التي ربما يعتقد البعض أنها تافهة لا قيمة لها، لكنها بالنسبة لي شكلت فيما بعد درسا قاسيا عندما سافرت للخارج للدراسات العليا، وكنت أجلس مع أساتذتي الأجانب نتناقش في القضايا السياسية الهامة، حاولت مرة أن أشاركهم النقاش فقط من أجل لفت الانتباه وإثبات الوجود، فاخترت حدثا غريبا ملفتا للانتباه لأقوله لهم، ولم أجد ما أبدأ به حديثي سوى كلمة «بيقولوا.. »، وصدمت بسؤالهم جميعا لي «مين اللي بيقول.. ؟».

وكانت صدمتي أكبر بكثير مما سبق عندما كنت في سن المراهقة، فقد كان علي أن أجيب، ولم أجد ما أقوله لهم سوى «نسيت من الذي قال»، تركوني أكمل حديثي ولم يحرجوني، لكنني شعرت بخجل كبير عندما قال لي أحدهم بعد ذلك «إنني ألاحظ من تعاملي مع العرب أنهم كثيرا ما يستخدمون كلمة (بيقولوا ..)، وأنصحك ألا تستخدمها لأنها تعكس كثيرا من الجهل والافتقار للمصداقية والمرجعية العلمية، وتعكس أيضا عدم احترام للآخرين ».

elmoghazy@hotmail.com