لم يعد حديث التغيرات المناخية في العالم مجرد ثرثرة في ميديا الإعلام، ولا حتى استطلاع لأحوال وتقلبات الطقس لزوم تمضية الفراغ في البر أو البحر، أو لزوم الرحلات السياحية.. إن تغير المناخ لا بد وأن يتحول إلى قضية سياسية توضع في قمة أجندة الاهتمامات القومية عند أقطار العالم كافة.. فالمسألة أصبحت أعقد وأبعد مدى مما قد يتصور الذين يريدون أن يقصروا هذه النوعية من القضايا على الأكاديميين أو الاختصاصيين، دع عنك المتضررين مباشرة من جراء هذه الأحوال المزاجية التي تتغير فيها أوجه الطبيعة من الصحو أو الإشراق إلى الكآبة والاكفهرار.
وكم درج الناس، العامة والمتعلمون والمتخصصون، على أن يعدّوا فصل الصيف موسما للحرارة وأحيانا للرطوبة، وخاصة في المناطق التي تعرف جغرافيا وإرصاديا بأنها المناطق المدارية والمناطق الاستوائية. ولكن الصيف الذي نعيش أيامه الراهنة جاء بحالات يصفها «أهل الصنعة» بأنها أحوال التطرف الشديد في طقس العالم أو الكوكب إن شئت الدقة:
فيضانات إلى حد السيول في بريطانيا (لم تحدث من 60 عاما أو أكثر)، واندفاعات مائية في غاية الخطورة ما بين شبه جزيرة الهند (تضرر منها نحو 10 ملايين هندي) إلى ولاية تكساس الأميركية إلى أحواض عدد من الأنهار في بقاع الصين إلى ارتفاع قياسي شديد وغير مسبوق في درجات الحرارة في اليونان بجنوبي أوروبا .
وفي ولاية يوتاه الأميركية أيضا، وإلى حد أصدرت فيه سلطات الجنوب والغرب الأوسط من الولايات المتحدة تعميمات إلى المواطنين بضرورة تفقد أحوال كبار السن بالذات بعد أن لقي بعضهم حتفه بسبب ارتفاع الحرارة والرطوبة وعجز هذا البعض عن الحركة وخاصة الذين كتبت عليهم أعراف المجتمع الأميركي، والصناعي بشكل عام، أن يعيشوا في وحدة وعزلة بعد أن تفرق شمل الأسرة وبات الأبناء يكتفون بمكالمة هاتفية إلى الأب أو الأم الطاعنين في السن مع مواسم الأعياد التي تحل في هذا اليوم أو ذاك من عام إلى عام.
رغم هذا كله، فهناك من يرى أن تلك التغيرات الطقسية التي تربدّ فيها سحنة الطبيعة وتشتد تحت وطأتها قسوة الأجواء، أمور أهون وأخف درجة من تغيرات أخطر وأنكى ضررا.. الفيضان ظاهرة مرئية والتصدي له أمر مفهوم وممكن التنفيذ.. لكن الأخطر في هذا المضمار هو تلك التحولات الأبطأ وتيرة والأقل بروزا والأدنى مشاهدة، وهي تحولات تطرأ بدورها على النظم الطبيعية في كوكب الأرض نتيجة النشاط الإنساني على اختلاف أنماط وفروع هذا النشاط.. وهي من ثم تحولات جذرية ودائمة الأثر.
في ضوء هذه الاعتبارات طلبت جريدة «نيويورك تايمز» إلى عدد من المثقفين الذين ينتمون إلى أقطار مختلفة كي يكتب كل منهم تقريرا صحافيا بشأن هذه التقلبات التي تعتري أحوال الطقس والتضاريس والموارد الطبيعية في بلادهم، ثم خصصت لهذه التقارير صفحة الرأي كاملة في عددها الأسبوعي الصادر يوم الأحد 29 يوليو الماضي.
من سويسرا يأتي التقرير ليفيد بأن الطبقات الجليدية التي ظلت تغطي قمم جبال الألب الشاهقة بدأت في الانصهار والذوبان إلى حال من النفاد أو الزوال، ولدرجة يقول معها الكاتب السويسري أن سويسرا فقدت خلال المائة وخمسين سنة الماضية نحوا من نصف السطح الجليدي لجبالها..
وأن نصف هذه الخسارة وقع بالذات في مدى الثلاثين سنة الأخيرة، وأن الخبراء يتوقعون ـ وأيديهم طبعا على قلوبهم ـ أن تكون هذه الطبقات الثلجية الحاوية للمياه قد اختفت تماما بحلول العام 2050، ولدرجة أن تعمد سلطات الاتحاد السويسري هناك إلى تغطية بعض من هذه الثلوج بطبقات من البلاستيك على أمل تأخير حدوث هذا الفقدان.. وهنا يعلق كاتب التقرير السويسري أن تلك إجراءات مرحلية ولكن الإجراء الجذري الأصعب والأنجع إنما يتمثل في تقليل الاستهلاك البشري من كميات الطاقة والوقود.
من كاليفورنيا يكتب مزارع أميركي مثقف ليشكو من أن المناطق الزراعية في تلك الولاية الغربية الغنية بالغطاء النباتي والمحظوظة أو كانت كذلك بالشمس المشرقة ـ نزلت بها غوائل الجفاف حيث أصيبت بالعطش أشجار الجوز التي كانت تمثل موردا لمكاسب طائلة لجموع المزارعين.
وتحت وطأة الجفاف تندر الأمطار ويصبح المزارع في حاجة ماسة إلى جلب المياه من باطن الأرض ومن ثم تكون الحاجة إلى آلات الرفع بالكهرباء، ولدرجة أن يسجل الرجل أن فاتورة استهلاكه خلال الصيف من الكهرباء زادت على 8 آلاف دولار. والمشكلة أن لا أحد يعلم إن كان الجفاف في كاليفورنيا وغيرها سوف يقتصر على العام الحالي أو يمتد بكل عواقبه أعواما تأتي في المستقبل.
من استراليا يشكو كاتب آخر ـ يمتهن بالمصادفة حرفة الطهي وله في هذا أكثر من كتاب - من أن تقلبات الطقس في البيئة البحرية بالذات أدت إلى نقص فادح، بل اختفاء الأنواع المفضلة في استراليا من الأسماك التي تشكل بندا مهما في اقتصاديات البلاد. والسبب هو نقص المياه وانحسار منسوب الموارد المائية الذي يرجع بدوره إلى كارثة الجفاف التي أصابت تلك القارة الجنوبية في الآونة الأخيرة، ولدرجة أن يضيف الكاتب الاسترالي في تقريره الوارد من سدني قائلا:
«إن استراليا تعاني من أسوأ كارثة جفاف حلت بها منذ 1000 سنة»! وأن هذه الآفة ما زالت تخلّف آثارها السلبية على أحوال المزارعين من حيث إمكانيات ري أراضيهم العطشى وسقيا ماشيتهم وطبعا مقادير ونوعيات مختلف المحاصيل التي يقتاتون منها ويتعيشون من أرباحها.
وربما زاد وطأة الكارثة الطبيعية أن حالة الجفاف هذه ظلت مستمرة في الأصقاع الاسترالية والجنوبية من العالم على مدار السنوات الست الماضية حيث يؤكد علماء الأرصاد الجوية أن هذه الأحوال ترجع أساسا إلى تغير المناخ الكوكبي، الراجع بدوره ـ كما ألمحنا ـ إلى تزايد الأنشطة الإنسانية المسببة للانبعاثات الكربونية في الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض. وبهذا أدى الجفاف - كما يضيف المثقف الاسترالي - إلى انخفاض جسيم في منسوب المياه بحوض نهر موري - دارلنغ بجنوب شرقي القارة الاسترالية، الذي يزود البلاد بنسبة 40 في المائة من احتياجات سكانها من البروتين.
ولأن الاقتصاد الغذائي ـ الإنساني والحيواني أقرب إلى سلسلة متصلة الحلقات، فقد أدى الجفاف إلى نقص مياه الري اللازمة لسقاية المحاصيل ومن ثم إلى ارتفاع شديد في الأسعار بسبب تناقص العرض مع استمرار الطلب.. بما في ذلك أسعار الأعلاف اللازمة للثروة الحيوانية، مما أفضى بدوره إلى ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن.
ولأن الكاتب الاسترالي رجل يعمل في سوق المطاعم فهو يختم تقريره الموجه إلى «نيويورك تايمز» بعبارات يقول فيها: «إذا لم نتعلم دروس التجربة ونتصرف على أساس الوعي بها فلن نجد أمامنا ما نقوله سوى أن نتذرع بالأمل ونتطلع إلى السماء. ومالنا نذهب بعيدا وها هو رئيس وزراء استراليا جون هوارد يعرض في حديث صحافي أدلى به مؤخرا للقيود التي فرضتها حكومته على مياه وعمليات الري الزراعية فيقول إن ليس لديه سوى نصيحة واحدة هي:
«صلوا من أجل المطر». في نفس السياق يحذر آخر تقرير نشرته التايمز من التسرع في تنفيذ المشروع الذي أعلن عنه البنك الدولي في شهر إبريل الماضي ويقضي بحفر قناة بطول 110 أميال لتمرير المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت وبكلفة تصل إلى 6 مليارات دولار.
ورغم أن المشروع تصاحبه دعايات تُعِدُ بتوليد الطاقة الكهربائية من مساقطه فضلا عن إمكانية تحليه مياه البحر الأحمر ومن ثم استخدامها في الأغراض الطبيعية - إلا أن هناك من ينبه بل يحذر من أن البحر الميت لم يستقبل منذ الأزل أي مياه من البحر الأحمر التي تتصف مياهه بقدر أقل من الملوحة وتتسم بتركيب كيميائي مختلف تماما عن مياه البحر الميت، وبما قد يخلق بيئة ضارة في المنطقة يسودها خلل التوازن متمثلا على الأقل في مخلفات من مواد الجبس الذي قد يحول مياه البحر الزرقاء إلى مياه بيضاء، ويفرز كميات كبيرة من المواد الكبريتية حيث تنبعث روائح قد يقضي انتشارها على حركة السياحة في تلك المناطق التي بدأت تشهد انتعاشا ورواجا.
وفي كل حال.. فبيئة كوكب الأرض مخلوقة على أساس التوازن وليس للبشر أن يعبثوا بها أو يمعنوا في تلويثها، وإلا فالعواقب لن تسر ولن تفيد.
كاتب مصري