أتساءل وأنا أزور ـ سائحة ـ المدينة التي عشتُ فيها بضع سنوات جميلة من عمري، عن إمكانية أن يجهل الإنسان المكان الذي يعيش فيه.. أو أن يكون أجهل الناس به، وهو يظن أنه الأعلم!الأمر يتعلق بجوانب عدة، أهمها أننا لا نأنس في أنفسنا الرغبة في التعرف إلى التفاصيل، والتنقيب عن المستتر، بل كثيرًا ما يكفينا الخارجي والكلي، ويشبع الظاهرُ حاجتنا للتعرف إلى الأشياء حتى نظن أننا عرفناها تماما. ألحظ هذا في تعاملنا مع الأشخاص على سبيل المثال، وليس مع الأماكن فقط، فنحن بمجرد أن نعرف شخصًا ما ويصدر عنه فعل حسن ظننا أننا نعرفه معرفة تامة، وحكمنا عليه بأنه «طيب»، على الرغم من أننا نجهل الكثير الكثير عنه.

أدرك أنني أتكلم بضمير الجمع، وليس بضمير المفرد، ولكن هذا لا يعني أنني أعمم كلامي على كل أفراد مجتمعي، بل يعني أنني ألحظ اشتراك كثيرين منا في هذه الصفة، وقد تكون نسبة هؤلاء الأفراد ضئيلة جدا بالنسبة للعدد الإجمالي لأفراد المجتمع، إلا أنني أعني بكلامي هذه النسبة سواء كبرت أو قلّت، لأنها تمثل شريحة من شرائح المجتمع.

قبل كتابتي لهذه السطور، سألت عددًا من الأشخاص الذين تربطني بهم صلات قرابة، أو صداقة، أو جيرة، أو زمالة، عن أكثر ما يلفت انتباههم في أي مدينة يحلّون فيها، فلاحظت أن الأغلبية تضع الأسواق على قائمة اهتماماتها،.. يهمهم التعرف إلى أسواق المدينة، ومطاعمها، وذكر بعضهم المتاحف والأماكن المميزة في تلك المدينة التي لن يجدوا لها مثيلا في مدن أخرى، ولكن الإجماع كان على الأسواق والمطاعم.

إن الإجماع على الاهتمام بالأسواق والمطاعم مخيف في نظري، مع أن الأسواق تعدّ وسيلة مهمة للتعرف إلى المدن، لأننا من خلال المعروض فيها نستطيع التعرف إلى الكثير الكثير عن تفاصيلها وحياة سكانها، من حيث طبيعة البيئة، والمناخ، ومدى اعتماد البلاد على الزراعة أو البحر أو غيرها، كل هذا تكشفه المنتجات المعروضة. كما يمكننا التعرف إلى الكثافة السكانية في المدينة من خلال الأسواق، فهي مؤشر جيد لذلك، والأهم من ذلك أننا نستطيع التعرف إلى كثير من الصفات الشخصية لسكان تلك المدن، من خلال عمليات البيع والشراء وما تتضمنه من تفاصيل.

المطاعم أيضاً مهمة جدا في التعرف إلى المدن؛ فطبيعة الطعام المقدم فيها يعكس ذوق أهلها، ويكشف عن مدى حدة طباعهم أو مرونتها، ويكشف كذلك عن أهم منتجاتها الاقتصادية، ويعرفنا على وجه للمدينة وسكانها لا يستطيع إلا الطعام أن يعرفنا عليه.

ومع هذا فإن الأسواق والمطاعم ليسا كل شيء يجب علينا أن نهتم به عند زيارتنا لمدينة ما، بل يجب أن نتحلّى بخصلة التعرف إلى الجزئيات والنفاذ إلى التفاصيل، ويجب أن تنفذ فينا رغبة التعرف إلى البلدان من خلال مداخلها الثقافية والحضارية، فنحن جيل المقاهي (الكوفي شوبز) والمجمعات التجارية (المولات)، وقد بلغنا حد التخمة منها في بلادنا، وأصبحت هذه الأماكن نسخا مكررة في معظم مدن العالم، بحيث لا تمثل زيارتها والتعرف إليها في مدينة تقع خارج حدودنا الجغرافية أية ميزة.

وبهذا نعود لما كان عليه الوضع قبل قرنين تقريبا حين لم تكن المجمعات التجارية منتشرة ومعروفة كما هو الوضع الآن، وكان السائحون ينتقلون من مدينة إلى أخرى لكي يتعرفوا إلى المناطق الأثرية والحضارية في مواضع أخرى من العالم، غير المدن التي يعرفونها ويعيشون فيها. أما حين انتشرت المجمعات التجارية في الغرب فقد رسخ في اعتقاد الكثيرين أن معرفتهم بأكبر عدد منها تعني معرفتهم التامة بالبلد الذي يزورونه!!

أحيانا تطغى عوامل أخرى ترجع الإنسان من مدينة أخرى إلى مدينته، وهو جاهل تماما بما تحتويه تلك المدينة التي أقام فيها حينا من الدهر من كنوز حضارية وأثرية، تجعلها قبلة للسائحين من مختلف بقاع العالم الذين يستغلون الدقائق والثواني للتعرف إلى كل صغيرة وكبيرة من تلك الكنوز في فترة زمانية قد لا تتجاوز الشهر أو الشهرين.

وهو المقيم بها عددًا من السنوات لا يعرف شيئًا عنها، ويعود صفر الوطاب من المعلومات التي تكشف معرفته الأولية بمكان قضى فيه تلك السنوات. ومن تلك العوامل الانشغال بالدراسة، والتركيز على متطلباتها، على حساب الجانب الترفيهي والتعليم الذاتي الذي يقبع خارج حدود الكتاب والدرس الجامعيين؛ فكثير من الناس حين يركزون على أمر ما يغفلون عن غيره من الأمور مهما كانت مهمة.

ومن تلك العوامل أيضاً الخمول السياحي، بمعنى أننا لا نجد في أنفسنا الدافع الذي يحركنا كي نقضي نهارًا كاملا ونحن نسير في طريق صعب وبوسائل نقل غير مريحة ـ كما اعتدنا دائما في بلادنا ـ كي نصل إلى منطقة أثرية، الجميع يعرف أنها تستحق عناء الوصول إليها، ونفضل دائما الذهاب إلى الأماكن القريبة، سهلة الوصول، المكيفة، التي تتضمن مرافق خدمية بمستوى خمس نجوم، أو أكثر، ونحن على استعداد لدفع مبالغ طائلة في سبيل ذلك، حتى إن كانت تلك الأماكن أنموذجًا مكرورًا أو موجودًا في عدة مدن أخرى.

قد تتعدد العوامل وتختلف الأسباب من شخص لآخر، لكن المهم في كل ذلك هو أن كثيرًا من الناس يعودون بعد انقضاء مدة السفر، سواء كان للسياحة أو الدراسة أو غيرهما، وهم لا يعرفون أبسط المعلومات عن المكان الذي أتوا منه، كالمعلومات المتعلقة بالديانة واللغة الرسميتين، وتعداد السكان، والاقتصاد والمنتجات الزراعية والحرفية وغيرها؛ فما بالك بالمعلومات المتعلقة بالآثار والحضارات التي استقرت قبل آلاف السنوات في تلك البقعة من العالم، وكذلك المعلومات المتعلقة بالتراث والفلكلور، أو غير ذلك من المعلومات المهمة.

وهذه المعلومات التفصيلية سبق أن بهرني ـ والجمهور الحاضر ـ العلامة محمود فهمي حجازي بقدرته على الإحاطة بها، حين ألقى محاضرة في مركز زايد للثقافة والتراث في مدينة العين قبل عدة سنوات، وكان قادمًا من «قازاخستان» التي يرأس فيها جامعة نور ـ مبارك، فقدم لنا معلومات تفصيلية عن كل ما يخطر وما لا يخطر على بال السامع عن الدولة التي قدم منها، وأنا أجزم أن معظم الحضور خجلوا من دقته وقدرته على استحضار جميع تلك التفاصيل بحيث تتساوى كلها في أهميتها أمامه، ولا بد أن معظم الحضور عقدوا مقارنة ذهنية بين معلوماتهم عن بلدان أقاموا فيها، ومعلوماته عن البلد الذي أتى منه، فوجدوا أن ما في جعبتهم أقل بكثير مما في جعبته.

أكتب هذه السطور الآن، بعد أن عدتُ من زيارة «سياحية» قصيرة للمدينة التي قضيت فيها أربع سنوات ونصف السنة في صفوف الدراسات العليا، واكتشفتُ أنني ـ الآن ـ أراها للمرة الأولى،.. إنها «عمّان» العاصمة الأردنية التي عرفتُ جامعاتها ومكتباتها.

كما عرفتُ بعضا من مقاهيها وأسواقها ومطاعمها، لكنني لم أعرف متاحفها وكثيرا من معالمها الأثرية إلا في هذه الزيارة الأخيرة القصيرة، إذ رأيت خلالها عمان بعين جديدة، باحثة وفاحصة، فاكتشفت أن الإنسان يكون مخطئا جدا حين يظن أنه يعرف المكان الذي يقيم فيه، لمجرد أنه يقيم فيه؛ فقد يكون جاهلا جدًا به، حتى إن ظنّ أنه يعرفه بجميع تفاصيله.

وقد ألحّ عليّ سؤال ثقيل طوال فترة استكشافي لعمّان، ولا يزال ملحا حتى الآن، والسؤال يغوص في حقيقة معرفتنا كمواطنين بجميع معالم بلدنا، وبأهم تفاصيله مهما كانت صغيرة؛ فكم يبلغ عدد الأماكن التي نجهلها في بلادنا؟ مع الإشارة إلى أن الجهل نوعان: النوع الأول هو الجهل مع المعرفة بالجهل، بمعنى أننا قد نسمع عن مكان ما في بالدولة يستحق الزيارة، ولم تسنح لنا الفرصة بعد لزيارته والتعرف إليه، وهذه مصيبة كبيرة.

والنوع الثاني هو الجهل مع الجهل بالجهل، بمعنى وجود أماكن في الدولة تستحق الزيارة، ونحن لا نعرف عنها ولم نسمع بوجودها في بلدنا، وهذه مصيبة أكبر. وتحت ضغط هذا السؤال، أرى أن على الجهات المختصة تنظيم حملات أكثر جاذبية للتعريف بجميع المناطق الأثرية والسياحية في الدولة، وتنشيط الرحلات المدرسية والجامعية الهادفة، فليس يوجد ما هو أسوأ من جهل الفرد بمعالم بلده، مهما كان عالما في مجاله ومبدعا في تخصصه.

جامعة الامارات