منذ ثلاثة أسابيع تقريباً وفي آخر إطلالة تلفزيونية له على الجزيرة، أعلن الأستاذ محمد حسنين هيكل وباللهجة المصرية بعد مطالعة طويلة موثقة بالمعلومات «أنا شايف أدامي تصفية واضحة وعلنية للقضية الفلسطينية»، وبعد أسبوعين كتب رئيس تحرير «لوموند ديبلوماتيك» آلان غريش مقالاً بعنوان: «هل نسي العالم القضية الفلسطينية؟

تحدث فيه عن المسار السياسي الأخير للقضية وخصوصاً بعد صراع حماس وفتح، مؤكداً أن هذه القضية دخلت عصر النسيان وأنها لم تعد تشكل المحور الأساسي والاستراتيجي للمجتمع الدولي، ثم أعقبه المفكر الفرنسي المعروف ريجيس دوبريه الذي قام بإعداد دراسة موثقة وعلمية بتكليف من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، توصل فيها إلى استنتاج مفاده أن المسألة الفلسطينية دخلت مرحلة الحسم والخيارات الصعبة. والخروج من اللغة الخشبية.

هذه العينة من المواقف المختصرة تؤشر وتنبه إلى ما يتم إعداده لقضية الشعب الفلسطيني بعد أكثر من خمسين عاماً من التشرد والمعاناة، حيث يجري الحديث حالياً عن مبادرة الرئيس الأميركي جورج بوش لإقامة مؤتمر دولي في الخريف المقبل لبحث القضية الفلسطينية، وفق جدول أعمال مقترح يبحث فيه قضية المستوطنات واللاجئين وقيام الدولة الفلسطينية.

من المفيد التذكير بأن الترحيب العربي بهذه المبادرة وخصوصاً من جامعة الدول العربية هو أمر جيد ومطلوب، ولكن علينا عدم الحماس لذلك لأن هذا المؤتمر حسب أحد المراقبين لا يمكن أن يدعو إليه الرئيس الأميركي ما لم ينسق ويتشاور حوله مع إسرائيل التي كانت دائماً ترفض تدويل القضية الفلسطينية.

وهذا يعني أن وراء الأكمة ما وراءها، أضف إلى ذلك أن الرئيس بوش الذي كان قد دعا إلى إقامة الدولتين على الأراضي الفلسطينية واستصدر من أجل ذلك قراراً من مجلس الأمن، لم يفعل أي شيء جدي من أجل هذه القضية، ويذهب البعض إلى الزعم أن الرئيس الأميركي يريد أن يبرئ ذمته من القضية التي أغدق الكثير من الوعود والأفكار لحلها يميل إلى اختتام ولايته الرئاسية، كمعظم رؤساء أميركا خاصة كلينتون، بمبادرة لحل القضية الفلسطينية من باب رفع العتب ليس إلا.

إذا كانت خارطة الطريق تنص على بند وقف المستوطنات وإزالتها، فإن الوثيقة التي سلمها الرئيس الأميركي لشارون قبل مرضه في العام 2004 تمنح إسرائيل الحق بأن ما تقوم به على الأرض هو الذي يرسم خطوط التسوية، على الصيغة القائلة بأن الأمر الواقع لا يغير قواعد التسوية السياسية. ولهذا عندما اقترح بوش على رئيس حكومة إسرائيل إيهود أولمرت تحديد موقف إسرائيل من مسألة الحدود، رد عليه في اليوم التالي متحدث باسم أولمرت طالباً من بوش عدم التفكير في الموضوع إطلاقاً.

إذن نحن أمام إشكالية كبيرة، فالاقتراح الذي أراد من خلاله بوش ضخ دم جديد في عملية السلام في الشرق الأوسط بدأت إسرائيل بعرقلته على طريقتها، حيث تشير التقارير إلى أن نسبة الاستيطان والمستوطنين في الضفة وقطاع غزة زادت خلال العامين الماضيين عما تم خلال عشرين عاماً سابقة، وهذه المستوطنات وفق المعادلة المطروحة، هي التي ترسم أفق التسوية، أي بالأمر الواقع.

يبدو أن اقتراح بوش لعقد مؤتمر دولي مجرد فكرة عشوائية وغير مدروسة كما يقول أحد المراقبين، وأنها جاءت تحت ضغط الفشل الذريع الذي لحق بسياسة البيت الأبيض في العراق والصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحرب يوليو بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية التي فشلت من خلالها إسرائيل في تحقيق نصر واضح، بل منيت فيها بهزيمة نكراء.

المهم أن يأخذ الموقف العربي الذي بادر إلى الترحيب بالمبادرة، بعين الاعتبار عدم الأخذ بنظرية تصفية رموز الصراع العربي الإسرائيلي المؤلف من الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين وفق المنظور الإسرائيلي، وألا يكون «سلاماً عن بعد» يقوم على استبعاد هذه المكونات من أي حديث عن التسوية المرتقبة.

ومن الواضح أنه لن تتم دعوة سوى الدول التي تعترف بحق إسرائيل في الوجود كما قال بوش، وهذا يعني أن إسرائيل ستحقق خلال الشهور المقبلة ما لم تحققه خلال عقود خمسة من الحروب والدبلوماسية المستمرة، خصوصاً إذا تحقق السيناريو المطروح «احتواء خشن لإيران وتثبيت إسرائيل طرفاً أصيلاً في حلف الاعتدال»، كما صرحت به رايس مؤخراً. إنها مرحلة حافلة بالأحداث وعنوانها الأساسي مصير القضية الفلسطينية.