قرأت بشغف مذكرات الجنرال برويز مشرّف بعنوان (In the Line of Fire: A Memoir)، وبالرغم مما سجله من معلومات ممتعة، إلا أن الأحداث لم تأخذني إلى نهاية طبيعية.. برويز، نشر مذكراته قبل أن يتقاعد أو يعزل بعد، واعتقد انه ارتاب من القتل، فراح يدفعها للتاريخ. وسيجد من يقرأ «المذكرات» تبريره للانقلاب الذي قاده ضد نواز شريف الذي وصل السلطة بانتخابات عامة.

وكان أن اعتمد على مشّرف بترقيته وجعل الجيش بيده.. فلماذا خان برويز الأمانة وحاك انقلابا عسكريا أطاح بنّواز وبتآمر دولي مكشوف توّضحت أسبابه لاحقا؟ أن تبريرات مشّرف لا تفي بالغرض، اذ أورد قصة ربما صحيحة ولكنه نسج كل تفاصيلها من الخيال.. فكان أن فقد بعض مصداقيته!

لقد توضّحت الصورة عن برويز مشّرف، وخصوصا شخصيته وسيكلوجيته وقدراته التي يحكم بها بلادا صعبة قرابة سبع سنوات، فهو ليس برجل عادي إذن! وبالرغم مما يحيطه من مخاطر داخلية ومحيطية، وما يذاع ضده من تهم سافرة ينشرها خصومه المتطرفون، إلا انه قد يلاقي مصيرا مروّعا بسبب سياسته الممالئة للبيت الأبيض.. فضلا عن كونه اليوم هو العدو رقم ـ1 لتنظيم القاعدة، أو أن يكون العكس هو الصحيح!

وسواء اتفقنا أم اختلفنا حوله، فهو باق في الحكم ربما لسنوات أو لأيام معدودات. انه لم يتحّدر من أسرة ثرية ومعروفة كما هو حال نواز وبينازير.. انه ينتمي لأسرة مهاجرة من قلب الهند إلى حيث الباكستان التي أسسها محمد علي جناح منفصلا عن الهند، مقارنة بنواز واصله من البنجاب، وبينازير واصلها من السند.

ويسجل مشرّف ادوار حياته بشكل غير تفصيلي واحترافه الدور العسكري الذي عشقه، واليوم يعد نفسه الباني الحقيقي لقوة الباكستان، ويذكر بأنه حاول إلغاء الفوارق الطبقية والتباينات الاثنية بين أبناء جيشه من أجل هوية موحدة لباكستان. وتأثّر الرجل بالغرب كما يبدو، ولكنه يحترم تقاليده الإسلامية ويؤمن بالقدر..

كان وصوله باكستان وهو في الرابعة من العمر، وعاش في تركيا بحكم عمل والده في سفارة باكستان وبقي فيها سبع سنوات.. عاد وعمره 14 سنة لينخرط في المدرسة الكاثوليكية برفقة أخيه نويد، وبدل ان يكون أستاذا مدنيا ذهب ليصبح ضابطاً عسكرياً، وتدرج ليصبح عام 1998 رئيسا لهيئة الأركان بإعجاب نواز به، وإذا كان مشّرف يؤمن بأن الحظ خدمه، فإنني اعتقد أن نواز شعر بخطورته فأقاله عام 1999، وكان مشرف على متن طائرة قادما من سريلانكا، وبقيت الطائرة تحلق ولم يسمح لها بالهبوط كي ينفد وقودها برواية مشرف، ولكنها حطت في كراتشي لتعلن القيادة العسكرية التمرد على نواز وتضعه تحت الإقامة الجبرية، وتكون باكستان فجأة بيد مشرّف برغبة الجنرالات كما يقول!!

مشّرف ينفي تآمره على نواز، بل إن اثنين من قادة الضباط اتخذا قرارا بتنفيذ الانقلاب العسكري لصالح مشرف ولم ينفذا رغبة نواز باعتقاله، ويعزو ذلك لمعرفة مشّرف بهما إذ إنهما كانا يلعبان التنس معه! ولكن ينبغي أن نفّكر بالدور الذي اضطلع به الجنرال الجديد إزاء حكم طالبان في أفغانستان وحالات الفوضى التي عمّتها بعد انسحاب جيش السوفييت الأحمر منها، علما بأن باكستان كانت مأوى لعناصر طالبان الذين اضطلعت بتجنيدهم وتسليحهم وتدريبهم على يد سلطاتها العسكرية لمواجهة الحكومات الأفغانية.. لقد كانت باكستان الحاضنة الطبيعية لوصول طالبان للحكم، ومن ثّم تغدو الأخيرة حاضنة لجماعة القاعدة.. لقد تأسست حركة طالبان عام 1994، أي بعد مرور خمس سنوات على انسحاب السوفييت.. وكلنا يذكر كيف كانت عناصر طالبان مدللة من قبل سلطات باكستان ودور استخباراتها العسكرية في تأسيس طالبان!

ان ثمة مغالطات حول طالبان والقاعدة في مذكرات مشرف، ناهيكم عن سياقاته غير المقنعة حول نفي مسؤولية تسّرب القنبلة النووية الباكستانية إلى إيران وكوريا الشمالية، واتهام مؤسسها عبدالقدير خان بتنظيم شبكة سرية وتسريبها مقابل المال، وسواء اضطلعت الحكومة أم لا، فإن ثمة خللا يتحمل مسؤوليته مشّرف نفسه!

وفي مذكراته، يكيل مشّرف التهم ضد كل المسؤولين الباكستانيين السابقين، ويتهمهم بشتى التهم التي لا أساس لها من الصحة التاريخية.. فمثلا كانت هناك مسببات في انفصال باكستان الشرقية لتتأسس دولة جديدة باسم بنغلاديش، اثر انتفاضة بنغالية قادت الى الحرب التي خسرتها باكستان عام 1971.. كما أن ذو الفقار علي بوتو هو المناضل الذي خرج من السجن وكان معارضا للجنرال يحيى خان، كي يقود بوتو خلاص باكستان التي حكمها مدنيا، ولكن دفع حياته ثمنا بإعدامه من قبل الجنرال ضياء الحق الذي قاد انقلابا ضده..

لم يكن مشّرف حياديا في «مذكراته»، بل لم ينصف المدنيين إزاء انقلابات العسكريين وأخطائهم التي لا تغتفر، وان إطلاقه للتهم ضد بوتو او نواز او بينازير وغيرهم لا يمحو مآسي حكم العسكر.. وباكستان اليوم تمّر بأشد أزماتها بعد ان خسرت حروبا، وان وقوفها إلى جانب الولايات المتحدة في غزو أفغانستان بالحرب على الإرهاب قد فجّر الموقف الداخلي.

فإذا كانت المذكرات قد كتبها من موقع القوة، فهو اليوم ضعيف يسعى نحو المدنيين لاقتسام السلطة وربما سيتخلص من ورطته وهو في خط النار فعلا.. وما لقاؤه الأخير مع السيدة بينازير إلا الشروع بصفقة جديدة، ربما يتخلى من خلالها عن السلطة ـ كما نصحه البعض ـ، أم انه سيدفع ثمن أخطائه وأخطاء الحكومات العسكرية باهظاً؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام االمقبلة، فلننتظر!

مؤرخ عراقي

www.sayyaraljamil.com