بالتأكيد تراود الشاعر المصري أحمد عبدالمعطي حجازي السعادة لأن حكم محكمة الاستئناف اكتفى بتغريمه دفع مبلغ عشرين ألف جنيه الذي تحول إلى رهن لأثاثه، بدلاً من الحكم عليه بالردة وتفريقه عن زوجته وعائلته كما جرى للمفكر نصر حامد أبو زيد واسامة انور عكاشة.

فالرجل الذي نأى بنفسه عن المعارك الفكرية والسياسية التي جرت في السنوات العشر الأخيرة على الساحة المصرية، كان له عالمه الخاص ومعاركه الخاصة التي يديرها بشكل متقن دون أن تجلب عليه المشاكل، حيث آل على نفسه أن يبقى بعيداً عن عش الدبابير الذي يجلب عليه وجع الدماغ كما يقال، ولكنه وقع على ما يبدو في المحظور الذي كان يخشاه وانطبق عليه المثل المصري المعروف «اللي يخاف من العفريت يطلعله» وكانت غلطة الشاطر بألف.

وإذا كان بعض النقاد قد اعتبر قضية حجازي المستجدة بأنها واحدة من «معاركه المنتهية الصلاحية»، إلا أنه لابد من التذكير بأن المقال الذي نشره حجازي لم يكن حديثاً أو وليد الساعة، بل كان قد كتبه عام 2003 في مجلة «روز اليوسف» تحت عنوان: (التطرف ومعاداة الفكر والثقافة) الذي انتقد فيه أسلوب الشيخ يوسف البدري بملاحقة عدد من الكُتّاب قضائياً، والتعامل معهم بقسوة تصل إلى حدود تفوق التصور.

كما هو حاصل مع أحمد عبدالمعطي حجازي نفسه الذي امتنع عن دفع الغرامة المالية، ولكن المحكمة حجزت على أثاث المنزل الذي تم تقديره بأقل من العشرين ألف جنيه، وسوف يتم البدء ببيع هذا الأثاث بالمزاد العلني في الثامن من أغسطس كآخر مهلة إذا لم يدفع المتهم المبلغ كاملاً، والواضح أن الشاعر حجازي يمتنع عن الدفع بحجة أنه لا يملك هذا المبلغ (3500) دولار أميركي، وأن هذا الأثاث بالأساس ليس ملكه بل ملك زوجته، ولا نعلم إذا كان هنالك إجراء آخر سوف تلجأ إليه المحكمة في حال امتنع عن الدفع.

بالرغم من أن قطاعاً واسعاً من الأدباء والمثقفين أظهروا مشاعر التعاطف مع الرجل الذي يرون أنه لم يقف يوماً إلى جانبهم فيما كانوا يواجهون قضايا تشبه قضيته، إلا أن البعض لم يخف عتبه الشديد منه، حيث ذهب الشاعر أحمد الشهاوي إلى القول انه مضطر لمساندته والوقوف إلى جانبه، في وقت كان حجازي غائباً عن دعمه عندما تعرض للنقد القاسي إثر صدور ديوانه «وصايا في العشق»، أما رئيس اتحاد الكتاب محمد سلماوي فقال انه «بالرغم من أن عبدالمعطي حجازي ليس عضواً في الاتحاد، وبالرغم من أنه لم يتصل للتنسيق، إلا أننا سنقف إلى جانبه وسندافع عنه وعن قضيته»، ونفى سلماوي قضية بيع أثاث منزله في المزاد، وقال انها كلها أخبار لا أساس لها من الصحة.

يسجل زملاء وأصدقاء عبدالمعطي حجازي عليه مآخذ كثيرة ذات طبيعة سلوكية وفكرية، ليس أقلها التكبر والتنكر للأفكار التي كان يُسوّق لها. فهو على سبيل المثال عندما جاء من بلدته تلا في محافظة المنوفية إلى القاهرة التي يعتبرها «بلا قلب»، كان صوت ومغني الثورة والعروبة مطلع الخمسينات إلى أن انتهى به المقام إلى القول «لا نريد قومية عربية على طريقة جمال عبدالناصر».

ومنذ نعومة أظفاره الشعرية خاض الشاعر الذي كان من رواد القصيدة الحديثة في مصر، مواجهة أدبية مع المفكر الكبير عباس محمود العقاد لأنه وصف شعر الراحل صلاح عبدالصبور، بأنه «عبث نثري» ثم انتهى به المجال إلى الجلوس، حسب قول أحد النقاد، على مقعد عباس محمود العقاد وتبنى أفكاره حيث شن حملة عنيفة ضد شعراء الحداثة وقصيدة النثر، داعياً إلى العودة إلى القصيدة الكلاسيكية.

يبدو أن أحمد عبدالمعطي حجازي لم يحسب جيداً وكعادته قضية الربح والخسارة، عندما «تجاسر» على توجيه النقد لأسلوب الشيخ يوسف البدري المعروف بمعارك «الحسبة» التي انتشرت في الآونة الأخيرة وخروجه منها دائماً ظافراً منتصراً، والواضح أنه لم يأخذ الأمر بجدية عندما رفعت القضية ضده أمام القضاء فاكتفى بجهود محامي المجلة للمتابعة، إما للثقة الزائدة بنفسه وإما لقناعته بأن ما كتبه لا يجلب له هذا الحكم الكبير الذي يجرده من أثاث منزله، ويضعه أمام هذه الإشكالية المعقدة.

لا يخفي المراقب من بعيد إعجابه بالحراك الحاصل داخل الساحة الإعلامية والفكرية المصرية الحافلة بكل جديد وملفت، ابتداء من قضايا الحسبة التي يثيرها الشيخ يوسف البدري والمحامي نبيه الوحش، الرجل الأنشط في هذا المضمار وصاحب الباع الطويل في إثارة القضايا أمام القضاء، مروراً بالفتاوى ذات البعد الاجتماعي وانتهاء بالحراك السياسي الذي تعكسه الصحافة بشكل واضح. لقد سمعنا بأشكال عديدة من أحكام الحسبة كالتفريق بين الزوج والزوجة إلى الاتهام بالردة للكثير من الأدباء، كنوال السعداوي وأنور عكاشة ونصر حامد أبو زيد، ولكن الحكم الذي أمامنا الآن وهو عرض أثاث المنزل لمتهم، هو بالتأكيد حالة جديدة حتى لم تعالجها على ما أعتقد السينما المصرية.

بمعزل عن المواقف المسبقة والنزوات التي تدخل في بعض التفاصيل، لابد من التأكيد أن أحمد عبدالمعطي حجازي هو رمز للمثقف العربي الأعزل الذي لا يملك أي وسيلة للدفاع عن نفسه سوى الكلمة.. وإلا خيار التجريد من كل شيء حتى من أثاث منزله.