في الثلاثين من مارس 1978 لقي الشهيد وديع حداد أحد أهم قادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وجه ربه، وظلت وفاته لغزاً طيلة أكثر من 28 عاماً، ولم يكشف الغطاء غير كتاب عنوانه (حساب مفتوح) للصحافي الإسرائيلي أهارون كلاين ، أكد أن حداد تعرض لعملية قتل بيولوجية على يد الموساد.
دار الزمن دورته وحل الدور على عرفات، ليتكرر معه نفس السيناريو ويجود بآخر أنفاسه في مستشفى بيرسي العسكري بإحدى ضواحي باريس في 11 نوفمبر 2004 ، ورغم أن العلامات الأولى أشارت إلى تعرض الرجل لتسمم ، إلا أن اللغط سرعان ما هدأ، فالذين كانوا رجاله انشغلوا بالمناصب التي يتم إسنادها إليهم في العهد الجديد، في حين انكب مناوئوه على ترتيب أوضاع داخلية تمكن لهم سطوة اعتبروا عرفات كان عائقاً في طريقها، ولم يجد القادة العرب بداً من نسيان ما حدث وطي الصفحة أملاً في عدم استثارة خفافيش البيت الأبيض وعقارب تل أبيب.
رجل واحد أفلت من التواطؤ المكشوف على دم عرفات، وتذكر أن لقائد فلسطين الرمز حقاً عليه، فبدأ يتحدث قبل أيام محملاً الرئيس الفرنسي جاك شيراك مسؤولية عدم الإعلان عمن اغتال عرفات، ولم يكن سوى بسام أبو شريف المستشار السابق للرئيس الفلسطيني.
ويصاب المرء بالذهول حينما يراجع أقوال قادة فلسطينيين رددوا من قبل تصريحات مشابهة لأقوال أبو شريف، ومع ذلك لم يتابع أحد هذا اللغز ولم تخرج لجنة تحقيق بنتائج مقنعة لما حدث، وكأن الرئيس الذي رحل لم يكن صاحب بصمة نضالية حكمت مسار القضية الفلسطينية على مدى ثلاثة عقود ونصف.
ففي نفس يوم وفاة عرفات صرح أحمد عبد الرحمن المستشار السابق للرئيس الفلسطيني لجريدة الحياة اللندنية قائلاً: (في 25 سبتمبر(2004 ) أصاب الرئيس شيء لم نعرفه.. لقد صافح 30 من الزوار أو أكثر قبل أن يتراجع ويتقيأ. ومنذ تلك اللحظة بدأ الخط البياني لصحة الرئيس في نزول بطيء ومستمر)، وأن عرفات تساءل أثناء إجراء الفحوص له قائلاً: (ما يكونوا وصلوا لي؟) يقصد الإسرائيليين.
وبعد عدة شهور حملت وثيقة سرية لحركة فتح الموضوع ذاته، الوثيقة بعث بها فاروق قدومي أمين سر حركة فتح ورئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير للمجلس الثوري في 27 مارس 2005، يقول فيها: (فوجئنا في العام الماضي بحالة التسمم التي أصابت أبو عمار، وأدت إلى استشهاده، وكان واضحاً أن إسرائيل قد دبرت هذه المكيدة لعرفات قائد الصمود ، فكانت صدمة قاسية لنا جميعاً... كان الواجب علينا داخل الأرض المحتلة أن نجري تحقيقاً دقيقاً مع من هم حوله بصورة جدية لنتعرف على حقائق كنا نجهلها، ولكننا لم نفعل.
وأقول لكم، أيها الإخوة إن هذه ليست مسألة انتهاء قائد، بل إنها مسألة سياسية سنصر على التحقيق والاستقصاء عنها مهما طال الزمن حتى نعرف الأيدي التي امتدت بالسم الإسرائيلي إلى جسد الشهيد رحمه الله، ومن تعاون في هذه الجريمة).
أما فريح أبو مدين وزير العدل الفلسطيني الأسبق فقد أكد أن الرئيس عرفات ابلغه بحضور ثلاثة أشخاص أن الإسرائيليين وصلوا إليه، وانه جرى تسميمه، وعرف ذلك بمجرد أن أصيب بمغص معوي وبدأ يتقيأ الطعام في نوبات متواصلة. وأضاف أبو مدين قائلاً: إن عرفات في أيامه الأخيرة كان يتوقع أن يدس له الإسرائيليون السم، لذا حرص على وضع طعامه في ثلاجة والاحتفاظ بمفتاحها في جيبه.
كما توقع أيضاً تخديره بقنبلة غاز سام ومحاولة خطفه، ولذلك طلب كمامات غاز ووضعها إلى جانبه على سبيل الاحتياط مع ذلك لم يفتح أحد ملف اغتيال عرفات، واكتفى الجميع ببيان بارد سربه المستشفى الفرنسي يؤكد أن المرض غامض والأسباب مجهولة.
لاشك أن هناك مسؤولين عما حدث، فالأمر كما أشار أبو شريف وغيره لم يكن ليتم دون تواطؤ المحيطين بعرفات، وقبيل إصابته ووفاته بشهور سربت إسرائيل وثيقة تحدث فيها أحد القياديين في فتح خلال اجتماع مع وفد إسرائيلي وطالب فيها بعدم استهداف عرفات وترك أمر تصفيته له كي يتم على نار هادئة، ومع ذلك صمت الجميع وأغلقوا الملف ..
ولم يرق كبار المسؤولين في السلطة إلى الناشط اليساري الإسرائيلي يوري أفنيري الذي اتهم شارون صراحة ولا إلى النائب الفرنسي كلود غواسغين الذي دعا إلى تشكيل لجنة برلمانية فرنسية للتحقيق في أسباب وفاة عرفات، على الأقل لقطع الطريق على الشائعات المتعلقة بموته.
الحديث حول من قتل عرفات هو للتاريخ كما أنه نوع من إبراء الذمة ليس إلا، فالذين أمروا بقتله قد رحلوا عن السلطة والذين شجعوا عليها يوشك الناخبون في بلادهم أن يقذفوا بهم إلى سلة مهملات التاريخ، والشهود انهوا مددهم في الإليزيه ولم يعد مطمع في كرسي الحكم ولا مخاوف من لوبي يهودي، ولم يبق في الأفق إلا جرذان فلسطينية تافهة لا يضير كشف عمالتهم أمام العالم العربي، على الأقل حتى نفرق بين المناضلين الحقيقيين وأولئك الأفاقين الذين يصعدون على جثث شهدائنا.