من كان يتوقع أن تنتهي قضية الممرضات البلغاريات بهذه النهاية المشجعة لمزيد من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان الذي يتعاظم شعوره بالدونية مع إحساسه بأنه لا يمثل سوى رقم في معادلة اللعبة السياسية، وان الصفقات التي تحدث خلف الكواليس أصعب من أن يمررها العقل البشري ولا تبرر إلا بالمصالح، ولا يدري الإنسان أية مصالح تتحدث عنها الحكومات حين لا تمس مصلحة المواطن.

وحيث ما انتهت قضية الممرضات البلغاريات اللواتي اتهمن بحقن أكثر من 400 طفل ليبي بالفيروس المسبب لمرض نقص المناعة المكتسب (الايدز)، ابتدأت الأقاويل التي تبرئ ساحتهن مع الطبيب الفلسطيني الأصل، فكما ذكرت صحيفة اللوموند على لسان سيف الإسلام القذافي أنه لم يصدق تورط الممرضات والطبيب الذين كانوا مع الأسف كبش محرقة! وإذ يصدر هذا التصريح عن مسؤول ليبي رفيع المستوى تظل التساؤلات تدور حول الأسباب التي غلفت صمته طوال مدة سجنهم، ولماذا صدر الحكم ضدهم بالإعدام إذا كانوا أبرياء من الأساس؟

وهل كانوا ضحايا تعذيب انتزع منهم اعترافاتهم بالجرم كما يدعون؟ أم أن التدخل الأوروبي لحل قضيتهم وتكفل فرنسا بتعويض أسر الأطفال بملايين الدولارات وافق الهوى الليبي الذي ينتظر طي ملف لوكيربي للأبد مع إطلاق سراح عبد الباسط المقراحي، ورغبة ليبيا في تحسين علاقتها بالاتحاد الأوروبي ولاسيما فرنسا، حيث وقعت باريس وطرابلس في 25 يوليو الماضي مذكرة تفاهم بشأن مشروع لتزويد ليبيا بمفاعل نووي مدني لتحلية مياه البحر إضافة إلى اتفاق في المجال العسكري، وذلك مباشرة بعد الإفراج عن الفريق الطبي البلغاري؟

وإذ لعبت بعض الدول دوراً في هذا الإفراج المفاجئ عن البلغاريات، فإن الوضع لا ينسحب على بعض القضايا المعلقة والتي راح ضحيتها بعض المواطنين العرب الذين تخلت عنهم حكوماتهم وبعضهم أسقطت جنسيتهم، وبعضهم تم تجاهلهم.

ورغم أن الحق الإنساني مشترك إلا أن العنصر الأوروبي اثبت تفوقه على كافة الأجناس، وأثبتت حكوماتهم قيمتهم فعلياً، فالأطفال الذين سيموتون نتيجة حقنهم بالايدز يبقون بلا قيمة ولا يوجد من ينصفهم أو يقتص من المجرم الحقيقي وراء هذا الزهق المتعمد لأرواحهم، في حين أن ضحايا طائرة بان أمريكان التي أدين بها المقراحي لقيت الاهتمام من العالم ولقيت أيضاً التعويض المادي المناسب، فقد تقرر دفع ليبيا لأكثر من ملياري دولار نظير مقتل 270 شخصاً، بينما دفع الغرب 496 مليون دولار نظير إصابة 496 طفلاً، لذا تظل المقارنات مؤلمة بخاصة حين ترخص أرواح المواطنين مقابل بعض المكاسب السياسية.

ففي تصريح لرئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل بأن عدم تسوية قضية الممرضات كان له دور كبير في تعثر علاقاتنا مع ليبيا، في الجانب الآخر قال وزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم إن الاتفاق فتح الطريق أمام تعاون وشراكة كاملة بين ليبيا والاتحاد الأوروبي.

وإذ لا يمكن لوم الجماهيرية الليبية على تطلعاتها لتحسين صورتها الخارجية لدى أصدقائها الغربيين، إلا أن التوقف عند هذه القضية يفتح ملفاً ثقيلاً آخر يتلخص في رؤية الغرب للفرد العربي كقيمة بشرية ومدى أهميته في هذا العالم، ورؤية الحكومات العربية لقيمة هذا الفرد.

وربما لا تزال الذاكرة تحمل بعض المشاهدات من قضية الأسير الأميركي الطالباني جون وولكر، وكيف تم ترحيله إلى أميركا دون أن يمر على منتجع غوانتانامو الذي حشر فيه البريء والمذنب دون أن تشفع لهم أو حتى تطبق عليهم اتفاقيات جنيف حول أسرى الحرب، فقط لأنه أميركي أباً عن جد، كذلك فضيحة سجن أبو غريب التي أبدى وزير الدفاع الأميركي حينها دونالد رامسفيلد، مسؤوليته الكاملة عن الانتهاكات التي تعرض لها الأسرى العراقيون في حين لم يجد الرئيس الأميركي بوش أسلوباً غير الاعتذار الشفهي للاهانات التي لحقت بالمعتقلين العراقيين والإهانات التي عانت منها عائلاتهم، ناهيك عن الوقفة المستميتة للاتحاد الأوروبي لإنقاذ البلغاريات من حبل المشنقة متناسين فعلتهن الشنيعة وضياع حقوق الأطفال الأبرياء.

ومسقطين من اعتبارهم أي احترام أو حتى مراعاة لحقوق الإنسان من خلال القيام بالأعمال التعاونية لتحقيق ذلك الهدف الذي حث عليه ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ولا يمكن تناسي الهبة التي يهبها العالم الغربي بقيادة الولايات المتحدة في حالة إصابة الكيان الإسرائيلي وأبنائه برذاذ المقاومة، في حين تباد قرى وتقتل مئات الأرواح في الجانب الفلسطيني فلا نرى تعاطفاً أو حتى نلمس أي شعور بالشفقة.

وإذا عدنا إلى الحديث عن حقوق الإنسان العربي التي غالباً ما تهب عليها رياح الجفاء فلا يجد من يداوي جراحه المفتوحة اثر الهزائم السياسية والنفسية المتوالية التي عانت منها الشعوب ولا تزال وضاعت معها أراضيهم وأحلامهم، وتوارثوا شعورهم بالمرارة وبالإحباطات جيلاً بعد جيل لتصبح معها الرؤية سوداوية ومعتمة، فكما جاء في ديباجة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان العربي بأنه لا فرق بين حكومات تدعي الديمقراطية، أو دولة القانون، أو تحكم بالطوارئ، أو دولة دستورية، أو بلا دستور من الأساس، ما دام لا يزال هناك صحافيون تكسر أقلامهم، ومحامون معتقلون، ونشطاء حقوق إنسان في السجون، ومعارضون سياسيون إما في المنفى أو يعالجون من آثار التعذيب، أو مغيبون خلف الأسوار.

والحقيقة أن الدراسات حول موضوع حقوق الإنسان العربي قد طالت موضوعات جديدة تختص بحرية الرأي والتعبير، وهي المحور الأساسي الذي ترتكز عليه كافة الحقوق للإنسان، ولعل آخر ما توصلت إليه الحكومات من وسائل الحد من حرية التعبير هو منع مواطنيها من الوصول لبعض المواقع على شبكة الانترنت، ففي أول دراسة عربية تنشر عن الرقابة على الإنترنت في العالم العربي تحت عنوان الإنترنت في العالم العربي مساحة جديدة من القمع، أكدت على أنه وضمن إحدى عشرة دولة عربية تضمنتها الدراسة، لم تتح حرية نسبية لمستخدمي الإنترنت سوى في ثلاث دول، وأن ثماني دول ممن شملتها الدراسة تفرض قيوداً أمنية شائعة في العالم العربي.

ولعل الأهم في عملية سلب الإنسان حقه في التعبير وإجهاض محاولات توعيته وانتشاله من حالة الذهول التي تصيبه جراء ما يشاهده يومياً في نشرات الأخبار، هو قيام الحكومات بالتنازل عن حقوقه دون أن تعيره انتباهاً أو أن تكون لديها مرجعية عن ما يمكن أن يكون غير قابل للتنازل، خاصة أن روح الإنسان لا يمكن أن تقبل المساومة.

كاتبة إماراتية