بعد مرور أكثر من العامين على إطلاق الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لقبه الأثير على الحراك السياسي الذي نتج عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان بأنها «ثورة الأرز»، قال رئيس تيار المردة الوزير والنائب السابق سليمان فرنجية منذ أيام قليلة بأسلوب ساخر ودال بأنها لم تكن «ثورة أرز» بل «ثورة قرنبيط وبلح» .

وأن هذه الثورة لم يبق منها شيء سوى التفرد والمغامرات غير المحسوبة والانقسام الذي يستحكم بمفاصل البلد، وذلك في إطار رده على السيل الكبير من الانتقادات التي وجهها فريق الأكثرية ضد تيار العماد ميشال عون وحلفائه الذين قرروا خوض الانتخابات الفرعية في وجه الرئيس أمين الجميل في المتن الشمالي في منطقة جبل لبنان.

فبين القرنبيط والأرز لا يوجد أوجه شبه، فالاثنان يذهبان في اتجاهات مختلفة، ولهذا فإن اختيار مصطلح «ثورة الأرز» الذي استقاه الرئيس الأميركي من كتاب التوراة التي تتحدث عن لبنان بوصفه مكاناً خصباً لشجر الأرز وغاباته العملاقة التي تم منها بناء هيكل سليمان المزعوم، لم يكن عبثاً بل له رمزيته السياسية والتاريخية والأيديولوجية بأن التعايش والتقارب بين هذين الشعبين الجارين أي اللبناني واليهودي، له جذوره التاريخية وليس أمراً دخيلاً أو مستحدثاً، لذلك لم يكن غريباً عندما أعلن أحد قادة ثورة الأرز المشهورين أن «إسرائيل جارة وسورية هي العدو»، ثم تبعه بعد حوالي العام نائب في أكبر كتلة نيابية تابعة للأكثرية في لبنان بأن «إسرائيل دولة جارة، مثلها مثل بقية جيران لبنان الآخرين».

هذه المقدمات السياسية والنظرية هي التمهيد بلا شك لإقامة منظومة فكرية معمدة بالدم، تسمح بالمطالبة بإقامة سلام مع لبنان الذي كسر هيبة إسرائيل وأسطورة جيشها الذي لا يقهر، وبعد ما فشلت نبوءة بن غوريون منذ أربعينات القرن الماضي بأن لبنان هو الدولة الثانية الجاهزة لتوقيع اتفاق صلح مع إسرائيل.

ولكن لابد من إيجاد الدولة العربية الأولى التي تشجع لبنان للقيام بهذه الخطوة، وها قد وقعت الدولة العربية الأولى والثانية والثالثة، ويمكن الرابعة والخامسة ومن الجائز العرب بأسرهم مع جامعتهم وحاضنتهم، إلا لبنان لم يوقع الصلح الذي كان مضموناً في جيب بن غوريون، كما يقول موسى شاريت في يومياته.

بعد حرب يونيو عام 67 من القرن الماضي نسب للجنرال موشيه دايان قولاً متبجحاً انه يستطيع بخمسة فرق عسكرية احتلال مصر وبثلاثة امتلاك دمشق، أما بالنسبة للبنان فانه يستطيع احتلاله بفرقة موسيقية، وبعد مرور أربعين عاماً على ذلك التبجح الذي مارسه دايان واستخف بالعرب كثيراً واعتبرهم الأمة التي لا تقرأ وإذا قرأت لا تفهم، فإن ذلك البلد الذي اسمه لبنان الصغير هو الذي هزم جيشه العملاق ومرّغ جبينه بالوحل وجرعه عار الهزيمة مرتين، الأولى في عام 2000 عندما اضطر إلى الانسحاب تحت ضغط ضربات المقاومة منهياً احتلالاً استمر أكثر من رفع قرن.. والثانية في حرب يوليو الماضي وذلك على أيدي ثلة من المؤمنين المقاتلين الشجعان الذين تصدوا ببسالة أسطورية لأعتى آلة عسكرية متوحشة ومدمرة على وجه الأرض، وخرجوا منها منتصرين معززين ومرفوعي الرأس.

وهذا ما جعل عجوز إسرائيل شمعون بيريز يعّبر عن سوء حظ إسرائيل الذي وضعها على حدود لبنان الجنوبي، ولعن الساعة التي جعلت معاهدة سايكس ـ بيكو، التي قسّمت دول المشرق العربي دويلات وكيانات سياسية متعددة، تضع إسرائيل جارة لدولة لبنان الذي استخف به نظيره وزميله دايان.

شجر الأرز هو رمز لكل لبناني وللوزير فرنجية، فهي شجرة معمرة وتصمد في وجه الرياح، ولا تعيش الا في أعالي الجبال، ولهذا سماها البعض «أرز الرب»، نظراً لشموخها ودهريتها، وهي التي تزين العلم اللبناني بلونها الأخضر، انها علامة الحياة، ورمز لوحدة اللبنانيين عندما اضاع البعض منهم البوصلة وحاول تمزيق هذا العلم المقدس، لأسباب ايديولوجية وهو يزايد بكل أسف اليوم بحب للبنان وأرزته الخضراء ويصنف نفسه من السياسيين الجدد، هذا البعض رفع في الماضي القريب جداً اعلاماً لدول أجنبية أخرى إلى جانب العلم اللبناني مفتخراً بنفسه، اما أولئك الذين يفتدون كل لبنان بدمائهم الزكية فهم يزايدون على إخوتهم وشركائهم في الوطن، ويعبرون إلى الصبح بكل تفاؤل وإيمان.

بهذا المعنى العميق لجأ الوزير فرنجية إلى السخرية السوداء قاصداً انها ليست ثورة أرز، بل ثورة قرنبيط وملح، لأن الثورة الحقيقية هي التي ينبغي أن تكون موحدة لكل هموم الوطن ومعبرة عن مشاكل الناس، لا ثورة فوقية آتية من الخارج ولحساب هذا الخارج الذي كان معتدياً دائماً على الوطن وعلي سيادته!!