على الرغم من أن التحليلات السائدة حول نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في تركيا، تنطلق في معظمها من أنها رسخت موقع حزب العدالة والتنمية الإسلامي في المعادلة السياسية التركية، وأنها تمثل استمراراً للاستقرار الذي تحقق خلال حكومة الحزب والذي دام منذ عام 2002 وحتى الآن. ولكن الأمر الذي لم يهتم به المحللون من نتائج هذه الانتخابات هو أنها تعيد تركيا إلى أجواء استقطاب حاد، يقوم على أسس ثقافية وليس على أسس سياسية.

فقد كان الصراع السياسي في تركيا يدور بين طرفين هما اليمين واليسار وكان الصراع بالتالي ينطلق من أسس سياسية وليست ثقافية. أما نتائج الانتخابات الأخيرة فقد أكدت أن الصراع ينتقل تدريجياً من المستوى السياسي إلى المستوى الثقافي انطلاقاً من أن الانتخابات الأخيرة عززت من موقع كل من التيار الديني والاتجاهات القومية في العملية السياسية في الوقت الذي تراجعت فيه الأحزاب اليمينية واليسارية، وبالتالي أصبحت تركيا خالية من الوسط السياسي.

وإذا كانت الانقسامات الثقافية في المجتمعات المعاصرة من ابرز ملامح مجتمع ما بعد الحداثة، حيث أصبح تقسيم المجتمعات رأسياً بوجود جماعات مختلفة على أسس ثقافية تتجاور مع بعضها البعض، في الوقت الذي كان تقسيم المجتمعات الحديثة التي هي ابرز تجليات الحداثة يقوم على التراتب الطبقي أي التقسيم كان أفقياً.

ومازالت الدول الأوروبية العريقة تقوم على التراتب الأفقي وكان ذلك كله بسبب أنها نجحت في بناء طبقات قوية ومستقرة وبالذات بسبب وجود طبقة وسطى قوية ومستقرة، فإن الوضع في تركيا يختلف عن هذه المجتمعات في أن النظام السياسي كان على الدوام متوتراً وعادة ما كانت الأطراف السياسية التركية تلجأ إلى العنف في حل مشكلاتها السياسية بما يعني أن النظام السياسي التركي لم يكن يتمتع بالتوازن والاستقرار على عكس المجتمعات الأخرى التي انتقل الصراع فيها من الأفقية إلى الرأسية، حيث كانت تتمتع بتوازن سياسي وبتقاليد راسخة حافظت على الوسط السياسي فيها متماسكاً، أما تركيا فيبدو أن الوضع الذي تعيش فيه يهدد باختفاء الوسط السياسي منها تماماً.

والحاصل أن تراجع الأحزاب السياسية التي تعبر عن اليمين واليسار في تركيا معطوفاً على ما شهدته تركيا من عنف على مدى تاريخها السياسي يجعل المراقب لا يتفاءل بمستقبل التجربة الراهنة، لأنها تشي بأن يكون الصراع القائم على أسس ثقافية رأسية يتسم بالحدة والعنف ولن يكون في تركيا قوة سياسية تمثل الوسط السياسي يمكنها ن تمتص هذا الصراع.

والذي يؤكد ما نذهب إليه هو أن الاختلافات واضحة وقوية بين الطرفين اللذين سوف يلعبان الدور الرئيسي في السياسة التركية في الفترة المقبلة وهما حزب العدالة والتنمية والأحزاب القومية المتطرفة وفي مقدمتها حزب الشعب الجمهوري، الذي أعاق انتخاب أي من رموز العدالة والتنمية لمنصب رئيس الجمهورية.

من هنا فإن التحليلات التي تعاملت مع نتائج الانتخابات التركية باعتبارها ستكون مصدراً من مصادر الاستقرار، هي تحليلات أحادية الجانب ولا تتعامل مع السياسة التركية من منظور متكامل. فبالطبع لا يستطيع احد أن يجادل في أن نتائج الانتخابات سوف تكرس جمهورية جديدة في تركيا، لها ملامح بعضها مختلف عن ملامح الجمهورية الراهنة.

ولكن هذا الأمر لا يمنع أن تكون للنتائج تداعيات سلبية على النظام السياسي التركي وعلى التوازن السياسي الراهن في تركيا، خاصة وان هذا التوازن كان يمتاز بالهشاشة وعدم الاستقرار وهو الذي نتجت عنه أزمات سياسية عديدة لعل آخرها الأزمة التي برزت على خلفية ترشيح عبد الله غول والتي كان من نتائجها محاولة حزب العدالة والتنمية تغيير نظام انتخاب رئيس الجمهورية.

لقد حقق حزب العدالة والتنمية انتصاراً مهماً في هذه الانتخابات، ولابد وان قياداته تدرك خطورة الوضع القائم أي أن المباراة أصبحت بينه وبين القوى القومية سواء المتطرفة أم غير المتطرفة، من هنا فإن على الحزب أن يتخذ من الخطوات ما يساعد على امتصاص الخطورة المتوقعة.

وهذا الأمر يمكن أن يكون بدايته هي مرشح الحزب لمنصب رئيس الجمهورية، فإذا ما أصر الحزب على ترشيح احد رموزه من دون توافق مع الأحزاب الأخرى الممثلة في البرلمان وعلى رأسها الأحزاب القومية، فإن ذلك سيدخل تركيا في أجواء الأزمة.

أما إذا اختار الحزب شخصية عامة من المنتمية إلى أحزاب أخرى، فإن ذلك يمكن أن يفتح المجال لكي يحدث التوازن الداخلي في تركيا على أساس أن الحزب بسلوكه هذا يسعى إلى توسيع المجال السياسي أمام الأحزاب الأخرى لكي تحتل مكان الوسط بين الطرفين المتبارين الرئيسيين في العملية السياسية التركية .

إن تركيا بالطبع سوف تدخل في مرحلة جديدة من تاريخها السياسي المعاصر، ولكن السؤال المهم هل هذه المرحلة خطوة إلى الأمام أم خطوتان إلى الخلف ؟. فإذا كانت المرحلة الجديدة سوف تتسم بأنها أعادت التيار الإسلامي إلى قلب العملية السياسية فإنها في نفس الوقت سوف تعيد الاستقطاب الحاد إلى ساحة السياسة في تركيا.

وهذا الأمر قد يتطلب أن يكون من بين العناصر التي لابد من التفكير فيها وتركيا بصدد تأسيس جمهوريتها الجديدة أن تعاد صياغة النظام الانتخابي بما يسمح في المستقبل بتمثيل معظم الأحزاب الموجودة في الساحة السياسة، والذي يدفع إلى التفكير في هذا الأمر هو أن الظرف السياسي الذي تمت فيه صياغة النظام الانتخابي الحالي وهي ظروف الحرب الباردة قد تغيرت، حيث انها هدفت إلى إبعاد الأحزاب اليسارية عن التمثيل في البرلمان، وكانت النتيجة الأساسية هي أنها حرمت معظم الأحزاب المدنية عن هذا التمثيل.

والظرف السياسي الحالي في تركيا يتطلب إحداث هذا التغير حتى تبتعد تركيا عن مخاطر الاستقطاب المتوقع. فهل تجرؤ نخبة «العدالة والتنمية» على ذلك؟

كاتب مصري