بعد مرور أقل من ثلاثة أيام على مصادقة مجلس الأمن الدولي بالإجماع على القرار الأممي الذي يقضي بإرسال قوات حفظ سلام إلى منطقة دارفور، تجدد القتال الشرس بين قوات الحكومة السودانية والمتمردين مع تغير واضح في لهجة هذه القوى، حيث أعلن رئيس حركة العدالة والمساواة خليل إبراهيم أن حركته سيطرت على منطقة عديلة في جنوب دارفور المحاذية لإقليم كردفان.
ويغلب على لهجة إبراهيم التناقض، فمن جهة يعتبر انه لا يوجد اتفاق لوقف إطلاق النار بين حركته والحكومة السودانية وأنها لن توقف النار حتى يتم توقيع اتفاق سلام عادل وشامل مع الخرطوم، ومن جهة أخرى يعلن أن حركته غيرت إستراتيجيتها من الحرب في المناطق النائية إلى الزحف نحو المدن الكبرى والاستيلاء على كل عواصم ولايات دارفور الثلاث، مضيفا: إننا نريد أن نأخذ إقليمنا بأيدينا وليس عبر التفاوض أو نسأل الحكومة أن تمنحنا أو تتنازل لنا عن حكم الإقليم، مؤكدا وجازماً في الوقت عينه «نريده أن يكون أمراً واقعاً».
إن شرارة هذه الحرب التي بدأت منذ أربعين عاما بسرقة مجموعة من الحيوانات المنتقاة خلال خلاف بين أهل المنطقة على احد المراعي، لم يكن يعرف أنها ستكون على رأس أولويات المجتمع الدولي بأسره في وقت لم يكن يعترف بهذه الحرب حتى وقت قصير أي منذ العامين تقريبا، ولم يكن يلتفت إليها المعنيون سواء في الداخل أو في الخارج، إلى أن انفجرت بهذا الشكل المرعب والمريب، وجرت الأحاديث عن إبادات جماعية واعتداءات وحشية، وأصبحت واقعة في صلب الاهتمام الدولي الذي يوليها كل هذا الاهتمام.
وقد أعلن مجلس الأمن في التعديل الرابع على القرار الدولي عن نشر أكبر عملية قوة حفظ سلام له في التاريخ، حيث ستقوم قوة مؤلفة من ثلاثين ألف رجل تحت شعار «يوناميد» بالانتشار إلى جانب القوة الإفريقية المؤلفة من عشرة آلاف رجل في إقليم دارفور، لتأمين السلام في تلك المنطقة وإعادة الهدوء إلى مناطقها التي شهدت اضطرابات خلال الأعوام الأخيرة.
كان بعض المراقبين يعتبرون أن حرب دارفور التي ظهرت إلى العلن وبشكل ساطع بعد التوصل إلى اتفاق سلام بين الحكومة ومتمردي الجنوب وإنهاء حرب طويلة استمرت أكثر من ثلاثين عاما، لن توقف مسار عودة السلام إلى ربوع السودان، وأن طفرة جديدة من الازدهار ستعم المقلب الآخر من وادي النيل.
ولكن الرياح لم تسر حسبما تشتهي السفن، فقد اندلعت حرب كبيرة فاجأت أهل السودان كما فاجأت العالم من خلفهم، فلم يمض اقل من أسبوعين على الاحتفال الضخم الذي جرى في الخرطوم كتتويج لانتهاء الحرب وتقاسم السلطة والثروة حتى ظهرت دارفور كمنغص لهذه الفرحة التي أتت بعد ثلاثة أعوام من المفاوضات الشاقة والصعبة، كما أن جون غارانغ لم يمكث في منصبه نائبا لرئيس الجمهورية أقل من ثلاثة أسابيع حيث وقع له حادث الطائرة، الذي أخرجه من المعادلة السياسية التي كان أحد صانعيها خلال ثلاثة عقود مضت.
من المؤكد ان دارفور التي تحتضن حوالي ستة ملايين نسمة على الأقل ومساحة شاسعة لا تقل عن مساحة فرنسا، تدخل في أجندة الاهتمام الدولي والإفريقي، ولكن الحضور العربي يكاد يكون معدوما في هذه القضية التي تخص الأمن القومي العربي في الصميم، ومع ذلك لا نرى ولم نر لا في الماضي ولا يبدو في المستقبل أن هناك تحركا عربياً وشيكاً يرفع عن نفسه صفة الغياب القسري والتقاعس المريب الذي ليس له أي سبب في الاستقالة الكاملة من هذا الدور.
وبانتظار أن تسفر مباحثات لاروشا في تنزانيا بين أطراف الصراع عن حل ينهي هذه المأساة الإنسانية، يبقى الأمل معقوداً على نوايا القيادات المسؤولة وأهل دارفور الذين يتمتعون بالمرونة لاستنباط حل يوقف التصلب في المواقف، ويعيد الأمور إلى توازنها المطلوب وتتوقف لغة الحرب.
كما تظهر جلية في تصريحات خليل إبراهيم زعيم حركة العدالة والمساواة وان تنضم حركة تحرير السودان إلى مفاوضات لاروشا والاتفاق على تطوير اتفاق أبوجا الذي تعترض عليه بعض القوى، لمصلحة الجميع وعودة الاستقرار إلى هذا البلد الغني بإنسانه وثرواته، ولكن الحروب استنزفته طويلاً في الجنوب والآن من جديد في دارفور.