تشغل قضية العلاقة بين الدين والسياسة أو بين الدين والدولة اهتمام الكثير من المفكرين والمؤرخين والمستشرقين على السواء. فقد صدر مؤخراً كتاب «الديانات القاتلة» لمؤلفه المؤرخ والمفكر اليهودي إيلي برناوي. وقد كان من ضمن الأفكار الكثيرة الحاقدة التي طرحها برناوي، فكرة أن مأزق الإسلام راجع إلى كونه الديانة الكتابية الوحيدة التي لا انفصام فيها بين الدين والسياسة، ولا مكان فيها للعلمانية من حيث هي تكريس للقيم الإنسانية الحرة.
ويرجع بعض المفكرين، من أمثال الدكتور برهان غليون، السبب في انبعاث مسألة العلاقة بين الدين والدولة وشغلها حيزاً كبيراً في أدبيات السياسة المعاصرة وطرحها في هذا العصر بالذات، لسبب رئيسي يعود إلى العلمنة حيث أصبحت هي الشرط الأساسي والضروري لإحداث التطورات الحديثة في الفكر والسياسة والمجتمع.
ولعلنا نضيف على ما ذكره الدكتور برهان أن جزءاً كبيراً من ابتعاث هذه المسألة يرجع إلى ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، على اعتبار أن ما تعرضت له الولايات المتحدة الأميركية وما يتعرض له الغرب، كان بفعل رؤية دينية من قبل المسلمين، ولا بد من ارتكاس ديني مضاد مماثل أو أقوى، ومن هنا جاء استخدام مصطلح الحروب الصليبية وغيرها من المفردات المقتبسة من القواميس الدينية.
لذلك يعد طرح برناوي وغيره من المستشرقين والمؤرخين مدعاة للتعجب، وخاصة في هذه الفترة بالذات من فترات العلاقات الدولية التي تشهد وبشكل ملفت للنظر عودة الديني وارتباطه الوثيق بالمعتقد السياسي. فالأمر لا يقتصر فقط على الإسلام كعقيدة وسلوك، وإنما يمتد ليشمل الديانات الكتابية الأخرى (المسيحية واليهودية)، فما زال السياسي في هذه الديانات ممتزجا بالديني، بل ويتغذى من مفرداته.
فالتحالف الاستراتيجي القائم اليوم بين الصهيونية والمسيحية في الولايات المتحدة فيما يعرف باسم «المسيحية الصهيونية» هو الجذر الديني للمحافظين الجدد، وخطاب بوش الديني وسياسة أميركا الحالية لهي خير دليل على ذلك. حتى دولة إسرائيل قامت على أساس ديني، وقد حظيت بدعم وتأييد من أوروبا العلمانية.
وتشهد الساحة الثقافية الغربية في هذه الفترة انتشار العديد من الكتب التي تسعى عناوينها ومضامينها إلى تحطيم صورة الديني التي مازالت تهيمن على المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي، فعلى سبيل المثال هناك كتاب «الهوس بالإله» لرتشارد داوكنز، وكتاب «دفاعا عن الإلحاد» لميشيل أونفري. فلولا حضور المشهد الديني القوي الذي يفرض نفسه على الساحة السياسية الغربية في هذا الوقت، لما كان ظهور مثل هذه الكتب والأطروحات الفكرية التي تشهد هذا الانتشار الواسع.
أما عن ارتباط الديني بالسياسي في الإسلام فهناك عدة أوجه لهذا الموضوع، فهناك رأي يميل لتأكيد الفرضية التي تطرح وجود نظرية سياسية في الإسلام. ومع التسليم اليقيني بأن جميع الديانات الكتابية قد ارتبط فيها الديني بالسياسي، إلا أن الإسلام قد انفرد عن الديانات الكتابية الأخرى بأنه نزع القداسة عن الدولة، وذلك بصفتها سلطة مرتبطة بالدنيا الزائلة وكسباً دنيوياً لا يمكنه التأثر بقدسية الدين.
وذهب إلى تأكيد هذا الاتجاه، وهو الاتجاه الآخر الذي لا يميل إلى الاعتقاد بوجود نظرية سياسية في الإسلام، الدكتور برهان غليون في كتابه «نقد السياسة.. الدولة والدين» باعتبار أن الدولة جاءت كتطور تاريخي لحاجة الجماعات البشرية على مراحل وتطور العصور. فالإسلام لم يكن يهدف إلى بناء دولة أو تأسيس لملك سياسي، بقدر ما كان رسالة عالمية يحمل في طياته مقومات اجتماع مدني يتجاوز العصبية العائلية أو القبلية أو الطائفية.
أما الدولة بالمعنى الحرفي للكلمة فهي التعبير الظرفي والمرحلي عن تطور هذا الاجتماع وما نتج عنه من مشاكل وتناقضات وحاجات مختلفة، كانت بأمس الحاجة للتنظيم والضبط الداخلي، ولذلك جاءت الدولة فيما بعد كضرورة طبيعية لمتطلبات الجماعة الإسلامية. فكان انتهاء عهد علي بن أبي طالب ايذاناً بانتهاء عصر الخلافة الراشدة وما تحمله من عناصر روحانية سامية اقرب إلى المثالية منها إلى الواقعية، تلك التي بدأت تظهر ملامحها في عهد الأمويين وهو عهد ميلاد الدولة في الإسلام.
وقد استطاع الإسلام وفق هذا التصور أن يحدد علاقته بالدولة باعتباره قوة روحانية عالمية، وباعتبار الدولة متطلبا دنيويا بشريا. ومن هنا كانت استمرارية الإسلام كقوة روحانية فارضة نفسها في جميع شؤون المسلمين الدنيوية، وهو عكس التناقض الذي سقطت فيه اليهودية الذي يظهر فيها ضياع الدين في الدولة مما أدى إلى تحولها إلى طائفة بامتياز معزولة ومنعزلة عن العالم، وكذلك المسيحية التي ضاعت فيها الدولة في الدين، مما أدى تفكك الاجتماع المدني المتمثل في الدولة وأصبحت بالتالي الحقيقة الدينية فيها مجرد فكرة روحية صرفة.
فالدولة لم تكن ضرورية أبداً للإيمان وليست معيارا من معايير مقياسه في نفوس المؤمنين، ولكنها كانت نتاجاً طبيعياً لمجتمعات المسلمين على مر تطور العصور المختلفة.
وهي وفق هذا التصور لا تكون أكثر من مجرد كسب دنيوي لا يمكنها أن تجسد قدسية الدين الذي يعتبر أسمى من متطلبات الدنيا، فهو قوة روحانية تهدف إلى السمو بذات الإنسان، وليس مجاراة متطلبات الدنيا المتغيرة وإلا أصبحت سياسة دنيوية، وليس خلاف هذا التفسير سوى تنطع الغلاة وسوء فهم الدين وتأويله بما يشتهي الجاه والسلطان.
مركز زايد للتراث والتاريخ