يبدو أننا أصبحنا فعلا مجرد «حقول تجارب» للعالم المتحضر. ولكي يصبح هذا العالم المتحضر متحضرا فلا بد له من حقول تجارب على العالم غير المتحضر. وكما نعلم فإن حقول التجارب هي واحدة من أهم دعائم التطور العلمي في العالم، غير أن حقول التجارب لا تأخذ عادة رأي من تقام عليه التجربة، خاصة إذا كان لا يرقى إلى درجة الإنسان الكامل في نظر البعض.

وكما هو الحال في التجربة العملية التي طبقتها دول التحالف (وهي دول صناعية بالدرجة الأولى) على أكثر من 26 مليون كائن بشري في بلد كان يسمى العراق، لمعرفة مدى صلاحية الأسلحة التي تنتجها المصانع الغربية ومدى فعاليتها على البشر، وما هو الأسلوب الأمثل للاستحواذ على منابع الطاقة بطرق شرعية.

ولإثبات قوة كسح الدول العظمى (خاصة تلك التي هي من فئة الدول البولدوزر) أمام ضعف حيلة الشعوب التي يجب أن تستسلم لتلك التجارب لصالح التطور البشري العام، وكذلك تجارب دولة صغيرة جدا وحديثة جدا كإسرائيل في الضفة والقطاع على شعب بشري أيضا يطلق عليه الفلسطينيون وذلك منذ أكثر من 60 سنة، بهدف التوصل إلى معرفة مدى تحمل البشر لكافة أنواع الذل والإهانة والتعذيب والحرمان والاختطاف والاغتيال وسرقة الممتلكات خاصة العقارية، والحال كذلك بالنسبة لحقول التجارب الأخرى .

كما حدث في جنوب أفريقيا على الجنس البشري الأسود بغرض معرفة مدى تلذذ اللون الأسود بهيمنة عنصرية اللون الأبيض عليه، وكذلك تطبيق تجربة تصفية جنس الهنود الحمر سكان أميركا الأصليين لمعرفة كيف يتم التخلص من شعب بأكمله وإحلاله بشعب آخر (وهذه التجربة استفادت منها إسرائيل فيما بعد)، والفيتناميين في شرق آسيا لتجربة قنابل النابالم، وقبلها تجربة القنابل الذرية على الكائنات البشرية في جزر اليابان... وهلم جرا.

نحن كلنا نخضع أو يجب أن نقبل الخضوع لتجارب الدول المتطورة والمتحضرة والمتفوقة علينا بشرطة أو شرطتين. متحضرة علميا؟ نعم. متطورة اقتصاديا؟ كذلك نعم. متفوقة عسكريا؟ بل ألف نعم. متطورة ديمقراطيا؟ مسألة فيها نظر. متطورة أخلاقيا؟ علامة استفهام كبيرة..

وهنا مربط الفرس. فكل تلك التجارب هي في حقيقة الأمر تجارب اقتصادية مادية بالدرجة الأولى، بأدوات عسكرية متطورة جدا بالدرجة الثانية، وقائمة على أسس حضارية لا جدال عليها بالدرجة الثالثة، وبأخلاقيات بات الكل يعرفها رابعا.. وهناك درجة خامسة وسادسة وألف لتلك التجارب لا يسعنا المجال لذكرها كلها هنا.

وكافة هذه التجارب تتم بطريقة شرعية مائة بالمائة. فهناك مجالس أممية تقرر متى وأين وكيف ومن سيقوم بتلك التجارب، وعلى العالم أن يخضع لقراراتها. أما اعتراض البعض بأن تلك القرارات قد تتخذ وتصدر بضغوط مباشرة أو بإغراءات أو بتهديدات غير مباشرة من دول عظمى وبلدوزرية وبتأثيرات خارجية وفوقية ولوبية (نسبة إلى اللوبي)، فهي اعتراضات لا تقوم على دليل مادي، وبالتالي فهي باطلة.

ومما يؤسف له أن من بين البشر الخاضعين لتلك التجارب من يصر ويشجع على إصدار تلك القرارات! وبالتالي يثبت صحة نظرية علم البسيكولوجيا بحب تعذيب الذات أو ما يطلق عليه الماسوشية التي هي على النقيض من السادية التي تمارسها الدول المتحضرة.

ولا نستغرب من ممارسة السادية من قبل معظم دول الغرب المتحضر لأن الكلمة من أصل أوروبي صناعي/مادي ومأخوذة من اسم المؤلف الفرنسي الماركيز دو ساد. لكننا نستغرب أن تقوم الدول المحرومة المقهورة المستضعفة خاصة الشرقية من استلذاذ التعذيب الماسوشي الغربي والتي هي بدورها كلمة أوروبية صناعية/مادية مأخوذة من اسم المؤلف النمساوي ليوبولد ساشر ماسوش!

فالعراقيون مثلا، كانوا في السابق يعيشون في حال أفضل بكثير من حالهم اليوم بعد طلبهم تدخل الولايات المتحدة العسكري لتخليصهم من سوط الرئيس السابق صدام حسين، لكي يتلذذوا بعد زوال حكمه بالألم اليومي المتواصل على مدى الأربع والعشرين ساعة، ثم وجدوا أن ذلك لا يكفي فطلبوا تدخل تنظيمات عسكرية خارجية إضافية (كتنظيم القاعدة مثلا) لتسهيل تجارب الولايات المتحدة عليهم لتكتمل بعدها اللذة الحسية والنفسية.

واللبنانيون ليسوا ببعيد عن العراقيين. فهم أيضا اكتشفوا لذة ما بين النهرين من خلال تدخل القوات الأجنبية المتحضرة، فلم يتركوا مناسبة ولا فرصة إلا وانتهزوها لاستجداء التدخل الأميركي في بلادهم للقيام بتجاربها الحضارية عليهم. وهم لا يزالون في أول الطريق، ولم يروا شيئا بعد.

فقد تمت تسوية الطريق لدخول القوات الأجنبية بتسوية جنوب لبنان بالأرض أولا، ومن ثم تسوية شمال لبنان في نهر البارد بالأرض ثانيا ولو أن المعركة لم تحسم بعد. وهذا يسهل القيام بالتجربة على الشعب اللبناني دون ألم. ويبدو أن الشعب اللبناني هو أيضا استمرأ لذة الألم الماسوشية.

فبعد تجربة الحرب الأهلية التي اشتعلت في منتصف السبعينات والتي استمرت حتى بداية التسعينات، لم يتوقع أحد أن يفكر الشعب اللبناني في البحث عن مزيد من المآسي الجسدية والنفسية قبل مرور ألف سنة. لكنهم خيبوا كل التوقعات، فلم تمض خمس عشرة سنة فقط حتى انتقلوا إلى المواجهة من جديد.

وآخر التجارب الماسوشية هي التجربة الفلسطينية: فلم يكتف الفلسطينيون بتعذيب الجنس اليهودي لهم على مدى نصف قرن، فصنعوا المستحيل لتعذيب أنفسهم بأيديهم من خلال المواجهات المسلحة بين فتح وحماس.

ويبدو أن شعوب المنطقة برمتها من باكستان إلى تركيا ومن الخليج إلى المحيط تحب الألم الماسوشي جينيا، فهي تحب أن تمارس عليها تجارب السلطات الحاكمة المؤلمة (ومعظمها عسكرية بزي مدني)، والسلطات الحاكمة بدورها تتلذذ بالاستسلام لممارسات الدول الغربية المؤلمة عليها وتخضع لعملياتها وتجاربها دون أي عمليات تخدير. وهذه ظاهرة جماعية نفسية معقدة وعلى مستوى دولي تستحق الدراسة.

وقد يعترض البعض بقوله إن ذلك لا ينطبق على إيران وباكستان مثلا، وهي من دول المنطقة ومن دول العالم الثالث. ترى أليس ما تقوم به إيران بشكل متواصل من استفزاز للدول العظمي سوى رغبة ملحة لديها لكي يتم ضربها؟ وكذلك الأمر بالنسبة لباكستان. إن أحداث المسجد الأحمر هي أقرب إلى طلب تدخل خارجي لضربها بهدف مكافحة الإرهاب منها لحل مشكلة مزمنة بين السلطة والمنظمات الإسلامية المتنامية هناك.

والدليل على ذلك ما صرح به عضو مجلس الشيوخ الأميركي باراك أوباما (وهو زنجي من سلالة أفريقية عانى أسلافه أشد أنواع التعذيب والعبودية والإخضاع للتجارب والذل قبل مائة عام فقط)، حين أعلن هذا السيناتور أنه إذا ما انتخب رئيسا للولايات المتحدة العام المقبل فإنه سيغزو باكستان.

طبعا الهدف بالنسبة له هو القضاء على عناصر القاعدة المختبئة في جبال باكستان. لكن فقط اقرأوا معي كلمة ما أعلنه بالحرف الواحد رئيس الولايات المتحدة الأميركية القادم ربما: «إذا لم يعمل مشرف ما يجب عليه أن يقوم به، فإني سأرسل الجنود الأميركيين للقيام بالمهمة، حتى دون الحصول على إذن منه».

ألا نمثل بعد كل ذلك سوى كائنات بشرية من النوعية الدنيا ويجب أن تخضع لتجارب القوى العظمى حتى دون الرجوع إليها؟ إن أوباما لم يقل سأستشير الأمم المتحدة بل سأرسل، ولم يقل القوات الدولية بل الأميركية، ولم يقل الرئيس برويز مشرف، بل مشرف.

وهذا المرشح ذو الأصول الزنجية مستعد لأن يبعث قواته الأميركية (التي تتألف من نسبة طاغية من الزنوج السود، لأنهم أكثر قوة من الناحية الجسدية وأرخص ثمنا من الناحية السوقية وأقل قيمة بشرية في نظر الدول المتحضرة، ويتم إرسالهم عادة للموت بالجملة إلى أي مكان في العالم بهدف حماية مصالح مصانع الجنس الأبيض) لتدخل باكستان تلك الدولة المستقلة الحرة ذات السيادة دون استئذان، ويفعل بها تماما كما فعلوا بالعراق، باختلاف الأعذار بالطبع، فبرويز ليس بصدام.

ففشل التجارب المختبرية في أفغانستان لا يعني عدم تكرارها في العراق، وفشلها في العراق لا يلغي محاولتها من جديد في إيران، وإن لم تنجح في إيران فليس هناك ما يمنع من معاودتها في باكستان والسودان والصومال، وهلم جرا... وقد أكد أوباما أنه لن يفعل أكثر من نقل معمل التجارب من العراق إلى باكستان: «إذا ما أصبحت رئيساً، فسوف استخدم «صلاحيات» القائد الأعلى للقوات المسلحة لنقل الجنود الأميركيين إلى «المكان الصحيح»، الذي يجب أن يقاتلوا فيه».

إن من صرح بذلك ليس إنسان شارع عاديا، بل هو عضو مسؤول في الكونغرس الأميركي وأحد مرشحي الحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة! ويعتقد بأن كل شيء جائز له لكونه أميركيا والآخرون حقول تجارب. وإلا فأين حقوق دماء الأفغان المدنيين العزل الذين قصفتهم الطائرات الحربية الأميركية وهم نيام؟

وهكذا نجر العالم (الفاعل والمفعول) بعقدة الماركيز دو ساد وساشر ماسوش إلى كوارث إنسانية وبشرية وبيئية وطبيعية لا حدود لها، ليس إلا لمجرد إخضاع الكائنات البشرية التي لا تحمل جوازات سفرنا لتجارب حيوانية شرسة، وليس كما قال تعالى في محكم كتابه العزيز: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) صدق الله العظيم.

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com