بعد أن تم إعلان وقف العمليات العسكرية في جنوب لبنان من مجلس الأمن العام الماضي، كان أول المحتفلين بهذا القرار جنود الجيش الإسرائيلي الذين بادروا إلى الاتصال بذويهم وزوجاتهم وأصدقائهم يزفون لهم خبر العودة إلى البيت سالمين والبسمة تملأ وجوههم، وقد بثت القنوات الفضائية العالمية والصهيونية تحديداً نماذج من هؤلاء المجندين الذين كانوا يعبرون عن فرحتهم بخروجهم أحياء من هذه الحرب القاسية، وأنهم لا يريدون أن يكونوا آخر القتلى أو المصابين، لأن لا شيء بالنسبة إليهم يستحق كل هذه التضحية، وأنهم يخوضون حرباً عبثية خارج الحدود.
انتشار هذه الظاهرة في أوساط الشبان الصهاينة الذين يتهربون من الخدمة العسكرية، وخلق الأعذار لتجنب الانتظام في صفوف الجيش باتت حالة تتزايد في السنوات الأخيرة بشكل واضح، وهذا ما دعا وزير الدفاع ايهود باراك إلى التحذير من اتساعها لأنها تعرض أمن إسرائيل للخطر.
وفي تصريح للإذاعة الصهيونية أكد باراك، الذي قلما يدلي بتصريحات علنية منذ تعيينه في وزارة الحرب، أن «تساحال» أي الجيش يتحول شيئاً فشيئاً إلى جيش نصف الشعب ما يضر بأمن البلاد، وتحسر باراك على تلك الأيام التي كانت فيها الخدمة بالجيش شرفاً والتهرب من الواجبات العسكرية عاراً، مجدداً القول إن المجتمع الإسرائيلي مهدد في وجوده من الأعداء إذا لم يكن الذين يدافعون عنه موضع احترام.
هنالك مقولة معروفة مفادها ان إسرائيل هي عبارة عن جيش أو ثكنة عسكرية أنشأوا لها دولة تابعة، ولهذا عندما يصل العطب إلى هذا المستوى، حيث يرفض الشبان الانخراط في صفوفه، فإن استراتيجية هذا الجيش قد أصيبت في الصميم وان هنالك خللاً كبيراً حصل داخل هذه الدولة.
وعندما يخرج واحد مثل ايهود باراك، الذي كان جنرالاً محترفاً في هذا الجيش ويعرف نقاط الضعف والخلل في داخله، للإعلان بهذا الشكل الواضح أن إسرائيل في خطر، فإن ذلك يؤكد أن إسرائيل هي عبارة عن جيش مدجج بالسلاح وقوة الردع وأن باراك جاء إلى وزارة الحرب لاستعادة الهيبة له بعدما فقدها هذا الجيش الذي لا يقهر في حرب يوليو الماضي في لبنان، وأهم رافد بالنسبة للمؤسسة العسكرية هم هؤلاء الشبان الذين يضيفون دماً جديداً إلى هذه الدولة التي شاءها مؤسسها بن غوريون قوية لا تهزم.
يعرف ايهود باراك أسباب إحجام الشبان الصهاينة عن الانتماء للجيش الذي كان مفخرة الجيوش في المنطقة، وحالة اليأس والإحباط التي يعانيها وقد جرى الحديث عنها في الميديا الإعلامية الإسرائيلية بشيء من الخجل، عندما تم الكشف عن حالة التمييز التي تجري للانخراط في الخدمة العسكرية، فقد تم الإعلان عن أن أولاد الآباء المؤسسين لهذا الكيان، مثل بيغن ودايان وشارون وآبا ايبان ورابين، حملوا حقائبهم وغادروا هذه الدولة، غير آسفين للعيش بها، بعدما تحولت إلى وهم نتيجة انتشار ظاهرة الفساد والوساطات من هنا وهناك، والفضيحة الكبرى التي أظهرت مسؤولاً عسكرياً كبيراً مثل دان حالوتس رئيس الأركان كان مهتماً بأسعار البورصة أكثر من اهتمامه بشؤون الحرب التي كانت دائرة مع المقاومة اللبنانية، والتي خسر فيها جيشه كل هيبته، وحمل هزيمة مدوية.
كان بن غوريون يقول إن إسرائيل يجب أن تظل منتصرة، لأنها إذا خسرت مرة واحدة، فهي بداية النهاية لها، والهزيمة النكراء التي مُني بها الجيش الإسرائيلي العام الماضي كانت مدوية ولا تحتاج إلى برهان، وقد أكدها الإسرائيليون في لجنة فينوغراد. كما أن انعكاسات الهزيمة بارزة داخل المؤسسة العسكرية فإضافة إلى القتلى والجرحى الذين أصيبوا في المعارك التي جرت في لبنان مع المقاومة، فقد سجل أكثر من خمسة آلاف جندي أنفسهم مرضى نفسانيين نتيجة الحرب، وأنهم مصابون بعاهات دائمة تقتضي إعفاءهم من الخدمة العسكرية كلياً.
هذه كلها مؤشرات تؤكد أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في أسوأ أحوالها، وان الاستعدادات التي يجريها هذا الجيش والمناورات العلنية والسرية كلها تؤكد عمق المأزق الذي تمر به، حيث استطاعت حفنة قليلة من المقاتلين الأشداء أن يهزموا جيشاً مدججاً بكل أنواع الأسلحة الفتاكة، والآلة الإعلامية الضخمة التي اعترفت منذ أيام أنها قصفت لبنان بأكثر من تسعة آلاف بيان إعلامي وإعلاني لإحباط المعنويات داخل صفوف اللبنانيين والمقاومين.
المشكلة الحقيقية بعيداً عن هذه الأرقام أن إسرائيل مصرة على أن تبقى مجتمعاً عسكرياً لا يرى الآخرين إلا من خلال هذه الآلة العسكرية المتوحشة التي نالت منها الشيخوخة والترهل وباتت عاجزة عن استعادة هيبة الردع.