في سباق مع الزمن يشتد فيه التنافس خلال الأمتار الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية، كثفت إدارة الرئيس جورج بوش الجمهورية من تحركاتها في المنطقة على الخطين السياسي والعسكري.
وفيما تتضاءل إلى حدود محزنة شعبية الرئيس بوش، بالنسبة لمواطنيه جراء فشل حروبه في العراق وأفغانستان ومناطق أخرى، فإن سياسته قد جرت على بلاده المزيد من الكراهية لدى معظم شعوب الأرض، حتى اعتبرها الأوروبيون في استطلاعات سابقة بأنها الدولة الأولى التي تهدد السلام العالمي.
قوى الممانعة والمقاومة، بغض النظر عن الوصف الأميركي لها، سجلت في مرمى السياسة الأميركية خلال السنوات الأخيرة العديد من النقاط. فعدا عن الفشل الأميركي في العراق، وانعدام الخيارات، واستمرار حالة النزيف المادي والبشري والمعنوي، والفشل في تأمين استقرار أفغانستان، وتعرضه مؤخراً لضربات متزايدة على يد مقاتلي طالبان.
فإن الملف النووي الإيراني، وفشل الحرب الإسرائيلية المدعومة أميركياً في العام الماضي على حزب الله ولبنان، وما جرى في قطاع غزة من حسم عسكري لصالح حماس، وما يجري في الباكستان، كلها تشكل مسلسلاً من الفشل المتواصل، يهدد المصالح والاستراتيجيات الأميركية في المنطقة.
مدفوعاً بالرغبة في إحراز بعض النجاح، وتحت وطأة الضغط المتواصل من قبل الديمقراطيين الذين يلاحقونه من زاوية إلى أخرى، اضطر الرئيس بوش لإحياء مشروع سابق، كانت وزيرة خارجيته قد طرحته خلال إحدى زياراتها للمنطقة مطلع هذا العام.
الوزيرة رايس جاءت إلى المنطقة تبشر بتشكيل حلف من المعتدلين العرب، ليساعدها في إنجاح مهمتها في العراق، ويحشر أطراف الممانعة الإقليمية، مقابل أن تعمل واشنطن على تحقيق تقدم جدي في عملية السلام.
على خلفية ذلك ترددت رايس على المنطقة، ولكنها لم تف بوعدها الذي كان يترتب عليها بموجبه زيارة المنطقة كل شهر، والضغط على حلفائها الإسرائيليين لتكثيف الاتصالات والمفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من أجل بلورة أفق سياسي لدفع عملية السلام.
وعلى الخلفية ذاتها لم تتردد واشنطن في مغازلة العرب من خلال ترحيبها بالمبادرة العربية، ولكن من دون أن تتبناها كأساس لعملية السلام، وحيث بقيت إدارة بوش تتمسك بخارطة الطريق ورؤية الدولتين.
مرة أخرى تخسر واشنطن المزيد من الوقت حين ضبطت نشاطاتها إلى الحد الأدنى إزاء دفع طرفي المعادلة، سلام الشرق الأوسط مقابل أن تحظى بدعم العرب لسياستها في العراق، وكان ذلك بسبب ضعف الحكومة الإسرائيلية على خلفية نتائج تحقيق لجنة فينوغراد، بالإضافة إلى أن واشنطن ربما راهنت على أن زيادة عدد قواتها في العراق قد يحدث فرقاً.
الآن تعود واشنطن إلى تنشيط المعادلة ذاتها، ولكنها هذه المرة ترمي بثقل كبير يجمع بين سياسة القوة وقوة السياسة، من خلال زيارة نادرة تقوم بها وزيرة الخارجية رايس إلى جانب وزير الدفاع روبرت غيتس.
هذه المرة، تتزامن الزيارة مباشرة بعد تكثيف الاتصالات الفلسطينية الإسرائيلية، والزيارة التي قام بها وزيرا خارجية مصر والأردن لإسرائيل. الثنائي رايس، غيتس، عقدا اجتماعا ذا دلالات وأهداف واضحة مع نواة حلف المعتدلين العرب المتشكل من دول الخليج العربي الست بالإضافة إلى مصر والأردن.
هذه المرة تحاول الولايات المتحدة ما تسميه ترجمة أقوالها بشأن دعم المعتدلين العرب لتمكينهم من مجابهة ما تسميه حلف التطرف الإيراني، وأيضا بشأن دفع رؤية الدولتين عبر مؤتمر دولي ينعقد في الخريف بناء لدعوة من الرئيس جورج بوش.
وحتى يأخذ الحديث قدرا من المصداقية يطرح رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت أفكارا جديدة قديمة وغير رسمية، يبدي فيها استعداده للانسحاب من 90% من الضفة، بالإضافة إلى جزء من القدس الشرقية، الأمر الذي خلق مناخات عامة، يمكن أن تشجع الموهومين بأن ثمة جدية غير مسبوقة من قبل واشنطن وتل أبيب إزاء تحقيق تقدم في عملية السلام.
على أن واشنطن لا تتردد بشأن المحافظة على تحالفها مع إسرائيل كأولوية من خلال تعزيز تفوقها العسكري على الدول العربية بدعوى ضمان أمنها. لا تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة للمجاملة في أمر التفوق العسكري الإسرائيلي، فتقرر أنها خلال السنوات العشر المقبلة ستقدم لإسرائيل دعما عسكريا بقيمة ثلاثين مليار دولار، أي تقريبا بقيمة ما ستقدمه خلال الفترة ذاتها للدول العربية.
وبالإضافة إلى الفارق الكمي يمكن أن نتصور طبيعة الأسلحة التي ستقدمها أو تبيعها إلى الدول المعنية، بما يسمح لإسرائيل دائما امتلاك قدرات هجومية تدميرية وأسلحة متقدمة، لا تدانيها المقدمة للدول العربية.
وفي الواقع فإن إسرائيل قادرة على تحديث ترسانتها العسكرية باستمرار، لكونها من الدول التي تحظى بمكانة بين تجار السلاح الدوليين، مما يمكنها من التخلص من الأسلحة القديمة بينما تشكل الأسلحة التي تقدمها للدول العربية عبئا عليها بعد مرور بعض الوقت.
الحديث الأميركي الصريح عن أهداف الدعم العسكري الذي تنوي تقديمه لإسرائيل وبعض الدول العربية، من شأنه أن يؤدي إلى تعميق الشكوك بين دول المنطقة، فضلا عن تعميق التناقضات.
إذاً الإدارة الأميركية تتحرك بقوة دفع سياسية وعسكرية في المنطقة، وربما لا تكتفي بما تقوم به، وإنما تدفع المنطقة نحو المزيد من التوتر والأحداث الساخنة التي لم يخطئ قراءتها كل من الرئيس السوري بشار الأسد والإيراني أحمدي نجاد.
ولاستكمال سيناريو بث الأوهام بشأن عملية السلام، قد تقدم إسرائيل على اتخاذ بعض الإجراءات التسهيلية، مثل تخفيف الحواجز وإزالة بعض البؤر الاستيطانية العشوائية، وحتى الإفراج عن عدد آخر من الأسرى الفلسطينيين.
وفي كل الأحوال فإن أسئلة كثيرة لا تزال مرفوعة بدون جواب بالنسبة للمؤتمر الدولي الذي تحضر الولايات المتحدة لعقده، ذلك أن الإجابة عليها تبين مدى جدية المشروع. فهل سينعقد المؤتمر في إطار الأمم المتحدة ومرجعيتها أم في إطار الرباعية، أم تحت إدارة أميركية؟ وهل ستدعى كافة الأطراف العربية المعنية بغرض دفع كافة المسارات التفاوضية أم سيقتصر الأمر على المسار الفلسطيني الإسرائيلي؟
هل ثمة آليات محددة، وفق رزنامة زمنية للتنفيذ أم ستترك الأمور على غاربها؟ والسؤال الأخير هل سيذهب الفلسطينيون إلى المؤتمر موحدين أم على حالهم من الانقسام والقطيعة؟
كاتب فلسطيني