«اشتدي أزمة تنفرجي» مثل يطلقه رجال الطبقة السياسية في لبنان عندما تصل الأمور إلى الطريق المسدود وتغلق جميع الأبواب في وجه الحلول المنتظرة، وتعجز بالتالي الرحلات المكوكية لإصلاح ذات البين.
وتفشل الوساطات العلنية والسرية في «تدوير الزوايا» لاستنباط مخرج «لا يقتل فيه الذئب ولا تفنى الغنم»، أيضاً وأيضاً بتعابير ومصطلحات أهل الطبقة السياسية في لبنان الذين رسخوا مآثر وتقاليد في الشأن السياسي العام، أعتقد، والله أعلم، أنها صناعة لبنانية، ونتمنى أن تبقى صناعة لبنانية غير قابلة للتقليد، وألا تنقل عدواها إلى الجوار ولا إلى أي مكان آخر حتى ولو كان بلاد الواق واق.
كل شيء في لبنان يأخذ منحى سياسياً يتجاوز حدود لبنان، فالانتخابات النيابية الفرعية لاختيار بديل عن النائب الشهيد بيار الجميل، تحولت إلى صراع دولي وأممي وعليه يتوقف مصير الصراع في العالم بأسره، فخسارة هذا المقعد بالنسبة للطرفين المتنافسين هي خسارة لقضية الشرق الأوسط،
والتصويت على هذا المقعد هو تصويت على المؤتمر الدولي الذي دعا إليه الرئيس الأميركي لحل القضية الفلسطينية، أو هو استفتاء على حل قضية دارفور، لا بل أهم من ذلك، هو اقتراع على السلم العالمي، لذلك كانت التصريحات النارية التي تجاوزت كل حدود،
حيث بدأت «من الزنار» ونازل أو بالعكس، فالرئيس أمين الجميل الذي ترشح للحلول محل نجله الشهيد استعاد في إحدى خطبه الحماسية لقبه الذي كان يحمله عشية الحرب اللبنانية «العنيد» فيما تصدى له العماد ميشال عون الذي رشّح تياره واحداً من أتباعه لهذا المقعد في منطقة المتن الشمالي في جبل لبنان، بخطاب حماسي شديد رد له الصاع صاعين.
بين الوساطات التي يشارك فيها جميع المعنيين من رجال دين وسياسيين وسفراء أجانب وأصدقاء مقربين وسواهم، وبين الحديث عن استطلاعات تؤكد نجاح تيار عون بفارق بسيط، وبين أن يتم الاتفاق على مخرج يحفظ ماء وجه الجميع، إلا أن الاصطفاف والفرز الحادين قد حصلا بين جمهور الفريقين المتنافسين وأخذا منحى لا عودة فيه إلى الوراء في هذه اللحظة، لأن اللعبة الدولية،
حسب زعم بعض أصحاب الرادارات العالية تقتضي عدم الإقدام على «دعسة ناقصة» طبعاً بالتعبير اللبناني، لكي لا تعطي الخصم انتصاراً مجانياً، ولذلك فإن أصحاب النظرة الثاقبة في لبنان يضبطون دائماً حركتهم على إيقاع اللعبة الإقليمية والدولية لأن فيها السلامة والأمان، وعينهم دائماً على الخارج، فما يطلبه الخارج من الداخل ضروري، لأنه صمام أمان.
بعض الظرفاء يقول إن الإخلال باللعبة السياسية والطائفية في لبنان هو أهم من حصول انفجار قنبلة نووية، فالحفاظ على الحصص والمغانم هو في صلب الاستراتيجية القومية لهذا الطرف أو ذاك، ولهذا فإن السنوات العشرين الأخيرة نتيجة ظروف لا أحد يستطيع التحكم بها أفرزت تيارين جديدين على الساحة اللبنانية هما حزب الله والتيار الوطني الحر،
تعامل معهما الآخرون بعدائية تفوق العداء الذي كان يكنه العرب للصهاينة منذ أربعين عاماً، لأن هذين التيارين الجديدين رسما لوحة جديدة للخارطة السياسية الداخلية أفزعت القوى السياسية التقليدية المتكلسة،
لذلك أقامت تحالفاً مصيرياً استراتيجياً ضدهما وتشن عليهما هذه الحرب الاستئصالية، ولا تجد عيباً في التعاون مع الخارج، أي خارج كان، للقضاء على هذين التيارين اللدودين الدخيلين اللذين يتهددان مصالحها الشخصية والمذهبية، مع العلم أن البلد يتسع لكل القوى ولكل الأطراف لو تم تطبيق القاعدة الذهبية «لكل مجتهد نصيب».
لكن البعض من السياسيين اللبنانيين الذين يعتبرون أنفسهم كائنات مختلفة عن كل البشر، ويعانون من تضخم الذات وأن بوش يربط جدول حركته على توقيتهم هي التي جعلت هذا البلد مفتوحاً على كل الاحتمالات وحولته العبقرية اللبنانية إلى ساحة يلعب فيها كل من هب ودب،
وقد وصل الوهم بالبعض من هؤلاء إلى الاعتقاد بأن لبنان هو محور الكون بأسره الذي يسهر على راحة ورعاية هذا اللبنان العظيم، ولم يتوان أحد المعلقين السياسيين في إحدى الصحف اللبنانية الرصينة عن توجيه النقد للسياسة الفرنسية الجديدة لأنها عينت برنارد كوشنير وزيراً للخارجية، ودعا إلى تعيين دبلوماسي بديل له يكون أكثر مهارة.
لهذا لا نستغرب أن تتحول مسألة المنافسة على مقعد نيابي فرعي في لبنان، إلى قضية دولية بامتياز يمكن أن تكون سبباً باندلاع شرارة حرب عالمية ثالثة. لذلك نصلي لكي تنتهي أزمة الانتخاب على المقعد النيابي في لبنان على خير وسلام، لأنها ستوفر علينا حرباً عالمية.