منذ انتخابه رئيسا للجمهورية لا يوفر نيكولاي ساركوزي وقته ولا طاقته في كل ما يتعلق بالملفات الدبلوماسية والسياسية الدولية، ويتردد موضوع الاتحاد المتوسطي غالباً في هذا الإطار، بل ان الرئيس الفرنسي خص الجزائر وتونس بأول زيارة رسمية له خارج الاتحاد الأوروبي.

هذا المشروع الذي لا يزال غامض المعالم ينطلق من واقع فشل الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية لمسيرة برشلونة التي قامت عام 1995 بمبادرة بلدان الاتحاد الاوروبي الـ 51 آنذاك مع 19 من البلدان المتوسطية الشريكة.

إنه لمن الصحيح القول ان منظور قيام عملية تكامل اقليمي أوروبي ـ متوسطي قد ابتعد وأن هذا المشروع الطموح قد تهمش واصبح هشا. وهناك عدة اسباب تسمح بفهم هذا الوضع. قد تكون هناك دول يمكن وصفها بالنزوعات الأوروبية وحيدة الجانب.

إذ كيف يمكن في واقع الأمر تبرير فرض الاتحاد الأوروبي على شركائه وإعادة هيكلة التعاون في حوض المتوسط، في الوقت الذي كان قد قرر فيه اثناء المجلس الأوروبي لشهر يونيو 2003 تغيير اطار علاقاته مع بلدان محيطة، ووضع سياسة أوروبية للجوار تتضمن ثلاثة مجاميع اقليمية من 17 دولة من حوض المتوسط والقوقاز وأوروبا الشرقية ( ارمينيا، اذربيجان، بيلاروسيا، جورجيا، مولافي، روسيا، اوكرانيا، الجزائر، مصر، إسرائيل، الأردن، لبنان، ليبيا، المغرب، السلطة الفلسطينية، تونس) هذا مع التأكيد على الأهمية المركزية لتوقيع خطط ثنائية للتعاون.

ومن المشروع التساؤل ما اذا كان توحيد طرق المعاملة حيال مولدافيا والجزائر وحيال أوكرانيا والمغرب أمراً جيداً على الصعيد السياسي؟ إن الصعوبة تكمن في وجود تعايش، وربما تنافس، بين عملية متعددة الأطراف (الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية) وعملية ثنائية الأطراف مع خطط عمل وطنية، ويمكن بهذا المعنى أن يفقد البعد متعدد الأطراف الخاص بالشراكة الأوروبية ـ المتوسطية جوهره، وتفقد هي بالتالي سمتها الفريدة.

وهناك «انزلاق» لفظي له دلالته، إذ جرى الانتقال من الحديث عن «الشراكة» إلى «الجوار»، وهذا له خطر مزدوج. أنه يعني أولاً التخلي عن متابعة الأهداف الحقيقية المشتركة بين الاتحاد الأوروبي وبلدان جنوب البحر المتوسط، وبالتالي التخلي عن التصميم فيما يخص مشاريع التعاون الأوروبية ـ المتوسطية.

إننا أمام تحد كبير ينبئ بخطر انحلال الشراكة في الجوار، وبحيث تغدو القاعدة هي العمل على مشروع ثنائية محددة، مما يتناقض مع المفهوم الخاص لتعددية الأطراف في العلاقات الأوروبية ـ المتوسطية حسب الصياغة الأولى لهذا المفهوم، والخطر الثاني يكمن في وجود أوروبا تنغلق على نفسها وتحاول أن تقيم حولها نوعاً من السياج الأمني، للحماية من زوابع الشرق الأوسط وافريقيا.

إذا كان الوضع كذلك فسيغدو من الصعب صياغة مشاريع حقيقية مشتركة. وينبغي بالتالي التوصل إلى الربط بين الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية والسياسة الأوروبية للجوار. هذه لا شك معادلة معقدة، لكن في نهاية الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية ستكون دون شك نوعاً من التراجع السياسي بالنسبة لجميع الدول المعنية. ذلك انها تعني إفساح المجال كاملاً أمام القوة الأميركية العظمى في المنطقة.

وهناك عنصر آخر يكمن في غياب المفهوم الاستراتيجي المشترك الأمر الذي يمكن تفسيره أساساً بوجود عاملين، فمن جهة تعاني بلدان شمال المتوسط (8 من أصل 27 بلداً تطل على البحر المتوسط) من إمكانية التوصل إلى اقتراحات ومبادرات مشتركة، ثم التصرف كقوة استراتيجية واحدة شاملة.

ومن جهة أخرى تعاني بلدان جنوب المتوسط من العجز حيال إقامة أي حد أدنى من التكامل الإقليمي (بوجود اتحاد المغرب العربي أو بصورة أوسع مع جامعة الدول العربية».

العقبات إذن كبيرة وينبغي ألا يستهان بها، المطلوب في الوقت نفسه هو المحافظة على خط «برشلونة» وإيجاد أفضل إطار مشترك ملموس للمفاوضات حول مسائل الأمن. هذه مسألة معقّدة، لكن يمكن اعتبار أن «الشراكة الاستراتيجية مع حوض المتوسط والشرق الأوسط» التي تبنّاها الاتحاد الأوروبي في شهر يونيو ـ حزيران 2004، خطوة في الطريق الصحيح.

وكان مما أكدت عليه هذه الشراكة إعادة تأكيد مبدأ الشراكة عامة، ومتابعة ما كان قد بدئ به من أعمال، والشروع بالتعاون مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والاهتمام بالتنسيق مع السياسة الأوروبية للأمن والدفاع، والالتزام القوي من أجل إيجاد حل للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

ومن وجهة النظر هذه لابد من التأكيد على مركزية النقطة الأخيرة. إن الإنجازات المتواضعة للشراكة الأوروبية ـ المتوسطية تعود جزئياً في الواقع إلى فشل مسيرة السلام الإسرائيلية ـ الفلسطينية، كما تمّت في ظل الزعامة الحصرية الأميركية. ويبدو أن إعادة تأسيس الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، ومهما كان شكلها، متعلقة إلى حد كبير بحل المسألة الفلسطينية التي تختزن في داخلها كل مخاطر الانفجارات العالمية والإقليمية.

ويمكن تفسير فشل هذه الشراكة خاصة بالتبعية الأوروبية للسياسة الأميركية في حوض المتوسط. لذلك يمكن للمجال الأوروبي ـ المتوسطي أن يشكل إطاراً جيداً للشروع في مسيرة سلام جديدة قائمة على الآليات الوقائية وآليات حل النزاعات، كما نصّت عليها قرارات الأمم المتحدة، وبالتالي على أساس القانون الدولي.

بهذا المعنى لا يمكن اختزال السلام الأوروبي المتوسطي إلى ما نص عليه السلام الأميركي، والمصالح المشتركة لا تتطابق، أو لا تتطابق دائماً، مع مصالح الولايات المتحدة. لكن بقي من المطلوب أن تبدي الدول المتوسطية إرادتها السياسية بالتضامن.

هذه هي التحديات المعقدّة التي سينبغي على الرئيس نيكولا ساركوزي وعلى الدبلوماسية الفرنسية مواجهتها، وإذا كنّا نريد نجاح هذا المشروع، فإنه من المناسب التوقف عن وضع بلدان جنوب البحر المتوسط في موقع التبعية حيال جيرانها في شماله.

كذلك من المناسب عدم المراهنة بالمقام الأول على التجارة والتبادل الحر، وإنما قبل كل شيء على أسس التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتربية والصحة وحماية البيئة والنقل والبنى التحتية ومسائل الهجرة. إن التنمية ينبغي أن تحل محل الأفق التجاري الوحيد، كي لا تغدو بلدان جنوب المتوسط مجرد متعهدين لدى الاتحاد الأوروبي. بهذه الشروط، وبهذه الشروط وحدها سيعود المتوسط مجالاً مشتركاً لشعوب شاطئية.

المدير المساعد لمركز العلاقات

الدولية والاستراتيجية ـ باريس