بعض أبرز حيثيات القضية الفلسطينية ومفردات سيرتها الذاتية ومكوناتها تبرر الاعتقاد بصعوبة، وربما استحالة، تسويتها بالجهود الثنائية لطرفيها المباشرين. اختلال موازين القوة بين إسرائيل والفلسطينيين المعطوف على طموح الطرف الأول الأقوى في إملاء شروطه وفرض إرادته، لا يسمحان باجتراح تسوية للقضية قابلة للاستقرار والديمومة بمعزل عن مداخلات خارجية معينة.
أهم من هذا العائق في منع مرور الحلول الثنائية البحتة، طبيعة المصالح المرتبطة عربيا وإقليميا ودوليا بالقضية، التي توجب بنظر أصحابها الانشغال بمصيرها واستخدام ما يتيسر لهم من أدوات للاعتراض على التسوية أو القبول بها وتسهيلها.
عموما لم ينشأ الصراع على أرض فلسطين بمفهومة الإسرائيلي الفلسطيني عن صدام بين يهود البلاد وعربها الفلسطينيين بالمعنى الحرفي.. لقد كانت أهواء الآخرين ومصالحهم الظاهرة والخفية حاضرة بقوة بين يدي مراحل هذا الصراع ،تغذيه بعوامل الصعود والهبوط والرتابة.
ظاهرة كهذه ربما أوجبت تسوية الصراع بالمنطق ذاته، منطق التدويل. ولعلنا لا نجافي الصواب إذا ما ذهبنا إلى أن حديث الإسرائيليين والفلسطينيين عن قرارهما المستقل على صعيدي الحرب والسلام ينطوي على مبالغة كبيرة.. فالصراع الذي ولد واشتد عوده موصولا بسياسات إقليمية ودولية لا يقبل من حيث المصير بمثل هذا الحديث، ولا هو متاح للتسوية الأحادية أو الثنائية من لدن أحد هذين الجانبين أو كليهما فقط.
إلى ذلك فإن للصراع الصهيوني العربي وفي مركزه القضية الفلسطينية تراث متراكم مما يسمى إجمالا بالشرعية الدولية، التي تعني القرارات الخاصة بهما الصادرة عن المحافل الممثلة «للمجتمع الدولي» والقوانين والشرائع المحددة للعلاقات بين الأمم المتحضرة.
الانطلاق من هذه التعميمات يقود إلى تجلية حقيقتين متعامدتين.. أولاهما: صحة وحصافة الدعوة إلى التسوية الفلسطينية عبر صيغة المؤتمر الدولي، بوصفها أكثر مأمونية لاستظهار مواقف الأطراف المباشرين وغير المباشرين من استمرارية الصراع أو إنهائه. وثانيتهما، وجود المرجعية الواضحة التي يمكن للمؤتمرين الاتكاء عليها والإقلاع منها إلى آفاق السلام الشامل إذا ما خلصت النيات لمثل هذا الهدف.
وفي تقديرنا أن انتهاك واحدة من هاتين الحقيقتين هو احد أهم أسباب فشل مشروعات التسوية الفلسطينية على مدار العقود الستة الماضية. ولنا في تجربة مؤتمر مدريد 1991 عبرة.. إذ أدى افتقادها للمرجعية الصارمة وأدوات إلزام المعنيين بالصراع على نحو أو آخر بها، إلى إفراغ المؤتمر من مضمونة وأيلولته في التحليل النهائي إلى مسارات ثنائية بين إسرائيل والأطراف العربية كل على حدة.
ثم إن المسار الفلسطيني تحديداً راح يبتعد ليس فقط عن شرط البعد الدولي للتسوية، وإنما افتقد أيضاً للمرجعية المُتفق بلا لبس على مفهومها وتفصيلاتها. ونزعم أن هذه النقيصة أذهبت ريح صيغة مدريد الجماعية وأفشلت التفاوض الثنائي معاً!
لا نريد بهذا التحليل إفساد نشوة البعض بإياب إدارة الرئيس بوش الابن إلى فكرة المؤتمر الدولي في الخريف المقبل.. لكن العاقل من اتعظ بالسوابق ومشاهدات الواقع، وفي هذا الإطار ليس ثمة ما يثير الغبطة.
فلابد أن الرئيس الأمريكي وبطانته على دراية بما آلت إليه صيغة مدريد الأولى، ولو كان الهدف هو إعمال المؤتمر الدولي لما كانت واشنطن بحاجة إلى أكثر من الاستجابة لدعوة العاطفين على جولة ثانية لهذه الصيغة، من موسكو إلى بكين وبعض الأوروبيين ومعظم الدول العربية والإسلامية.. فطبائع الأمور تقتضى جردة حساب ومراجعة لما جرى في مؤتمر مدريد وما بعده كي لا تتكرر عيوبه مجدداُ.
لكن واشنطن وتل أبيب، وحدهما تقريبا، استنكفتا مطولا عن ذلك. ولا ندري ما الحكمة في السعي لاشتقاق تجربة جديدة قبل تحري حصاد نظيرتها السابقة مع أن كلتيهما صناعة أميركية؟
وتزداد الحيرة حين نلاحظ أن واشنطن لم تعلن إلى ساعتنا هذه فشل تجربة مدريد وما عادت تتعرض لها منذ بضع سنوات بخير أو بسوء، وكأنها أسقطتها من خبراتها في محاولة التسوية الإسرائيلية العربية!
لا يتمتع بوش الابن بخبرة أبيه ولا بذكاء بيل كلينتون، وليست الوزيرة كوندوليزا رايس بسعة أفق جيمس بيكر الذي هندس مؤتمر مدريد. كذلك فان السياسة الأميركية الشرق أوسطية، وربما غير الشرق أوسطية، ليست في أحسن حالاتها، فقد انحطت قانونياً وأخلاقياً داخلياً وخارجياً وانتكست في غير موقع استراتيجي وقضية.. لهذا فانه لا يسعنا الثقة في ما وراء دعوة بوش العتيدة ويصعب علينا موضوعيا الظن بان واشنطن بصدد تحول فارق يمكن للفلسطينيين أن يستبشروا به.
فضلا عن هذه الهواجس، يقول فقه السياسة بان القيادات الرؤيوية المؤدلجة والمشبعة عقائديا لا تتغير بين عشية وضحاها. ونحسب أن بوش الإبن، الذي يعاكس ويعاند بسياسته الخارجية (العراقية مثلاً) زهاء أربعة أخماس شعبه، ليس استثناء من هذه القناعة.
لقد تعجل بعض العرب والفلسطينيين حين لاقوا دعوة الرئيس الأميركي بقبول حسن من قبل أن يتبينوا أبعادها وضوابطها. ومع ذلك نتصور أن هناك مجالا وفرصة للاستدراك وطلب الاستيضاحات واستطلاع آفاق الدعوة ومراميها.
وفي هذا السياق لا يتعين الاكتفاء بالأفكار العامة التي ساقها بوش حول قضية «الدولة الفلسطينية».. لا بد من استكناه مواقف الرجل وإدارته من بعض التفصيلات الجوهرية ،كحدود هذه الدولة، وما إن كانت لدية أريحية التراجع عن وعوده لإسرائيل قبل ثلاثة أعوام بشأن إقرار حقائق الأمر الواقع التي رسختها بالاستيطان في القدس والضفة الفلسطينية ورفض مبدأ عودة اللاجئين، وضمانات الالتزام بالمؤتمر الفاعل الذي لن يكون مجرد مكلمة ومحفلاً للثرثرة، ينفض بعدها المجتمعون لتعود تل أبيب إلى الاستفراد بالطرف الفلسطيني وقد زاد وهنا على وهن منذ أحداث غزة وتوابعها .
وبالمناسبة، فإن خريطتي السياستين الفلسطينية والعربية الراهنتين ليستا مما يسر الخاطر، وحري بمن يعنيهم الأمر الانتباه إلى أن الفلسطينيين والعرب لا يستطيعون بهما تبوؤ مكانة محترمة في أي مؤتمر للتسوية، دولياً كان أم غير دولي.
كاتب وأكاديمي فلسطيني