يتميز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخاصية تبرزه بشكل كبير على خلفية الكثير من السياسيين الذين ترأسوا روسيا والاتحاد السوفييتي خلال العقود الأخيرة، إذ يحظى بوتين بشعبية كبيرة . علما بأنه لم يفقد هذه الشعبية بمرور السنوات منذ أن ترأس روسيا في عام 2000 وهو في سن السابعة والأربعين.

وصوت لصالحه في انتخابات الرئاسة التي جرت في مارس 2004 خمسة وستون بالمئة من الناخبين الذين شاركوا في الانتخابات أي حوالي 50 مليون شخص. وتتعالى في البلاد الآن بين فترة وأخرى نداءات لإعادة النظر في الدستور والسماح للرئيس الحالي بترشيح نفسه لفترة رئاسة ثالثة، لأنه سيضمن في هذه الحالة الحصول على أغلبية كبيرة أيضا.

إلا أن بوتين نفسه يعارض ذلك ويرى أن الاستقرار السياسي الذي تم التوصل إليه في البلاد خلال فترة رئاسته يجب ألا يتعرض إلى مثل هذه التجارب الشديدة، مثل تغيير أحكام الدستور. ويرى أيضا أن ثماني سنوات للرئاسة كافية بالنسبة لأي سياسي، كما أن بوتين لا يخفي حاجته الشخصية للابتعاد عن السلطة ومهامها الثقيلة والتفرغ لأسرته ومستقبلها، خاصة وأن مسؤوليات الأسرة تزداد تكلفة ومن حقه ـ كما يقول ـ أن يؤمن مستقبل الأسرة، خاصة وأن معاش رئيس الدولة لا يكفي مع الغلاء المستمر.

ولا أحد في روسيا يستطيع أن يشك في مصداقية بوتين في هذا الحديث الشخصي لأن الجميع يعلم، وعلى رأسهم أشد المعارضين لبوتين مدى نقاء سمعته وطهارة يده من أي مال غير مشروع، كما أن الجميع يعلم أن بوتين ليس له أي مصدر دخل سوى راتبه من الرئاسة، ولا أحد في أسرته ولا في أقاربه استفاد ماديا من قريب أو من بعيد من وجوده في السلطة.

ولو كانت هناك أي ثغرة في هذا الشأن لاستغلها معارضوه السياسيون سواء داخل روسيا أو خارجها، بل يقال إن بوتين حريص «أكثر من اللازم» على سمعته في هذا الشأن بدرجة ضايقت وضيقت على الكثير من أقاربه وأقارب زوجته، خاصة وأن زوجة محافظ موسكو لوجكوف وضعتها مجلة فوربس ضمن قائمة المليارديرات هذا العام.

ولكن ما الذي تمكن الرئيس بوتين من عمله خلال سنوات رئاسته؟ ولماذا تحظى سياسته بمثل هذا الدعم الكبير من قبل مواطني روسيا؟ تجدر الإشارة قبل كل شيء إلى التزام الرئيس الروسي بسياسة الوسط. وتجذب أيديولوجية الوسط عددا كبيرا من الأنصار، خاصة الموقف المتزن من الجمع بين قيم السوق الاقتصادية والقيم الاجتماعية الخاصة في روسيا. كما أن سياسة الوسط تتفوق على مختلف أنواع أيديولوجيات اليمين واليسار العادية ببعض الامتيازات التقنية وقد تجلّت هذه الامتيازات في روسيا المعاصرة بشكل تام.

وكان في الساحة السياسية قبل بوتين عشرات الأحزاب والزعامات السياسية. وكثيرا ما كانت تعني ممارسة السياسة تأسيس حزب خاص وصرف الأموال على الإعلانات السياسية ثم التحالف مع قيادة بعض الأحزاب المتصدرة المماثلة الأخرى لدخول البرلمان وبعد ذلك كان من الممكن أن ينحل هذا التحالف الأولي وينضم إلى تحالفات سياسية مؤقتة أيضا.

وكان دعم مثل هذا النوع من الأحزاب غير ثابت ولهذا عندما بدأ يتأسس حول سياسة الوسط للرئيس بوتين حزب «روسيا الموحدة» أول أحزاب الوسط الجماهيرية فإنه كان محكوما له مسبقا بالنجاح. ويتمتع حزب «روسيا الموحدة» الآن بالأغلبية الدستورية «أكثر من 300 مقعد» أي أكثر من الثلثين في مجلس النواب الروسي «الدوما»، ويسيطر على جزء كبير من المجالس التشريعية الإقليمية.

وفي التسعينات انتشرت أيديولوجية اليمين الليبرالية بشكل كبير بين الطبقة السياسية الروسية ولهذا بالذات ظهر في جناح اليمين أكبر عدد من أحزاب الزعامات التي يعاني ممثلوها الآن من التفكير في السؤال: هل يجب اعتزال السياسة أم التحالف والموافقة أحيانا على القيام بأنشطة سياسة روتينية وهامشية؟

وربما يبدو العمل بعيدا عن العاصمة وفي المناطق بالنسبة للكثير من «نجوم» السياسة الروس في التسعينات عملا ثانويا، ولكن بفضل إصلاح بوتين لقانون الأحزاب يصبح العمل اليومي في الأقاليم بالذات المهمة الرئيسية للأحزاب ويحدد مقاييس نجاحها. وباقتراح من بوتين حصلت الأحزاب الفائزة في الانتخابات البرلمانية الإقليمية على حق التقدم إلى الرئيس بمرشحها لمنصب المحافظ الذي يتعين فيما بعد الموافقة عليه في البرلمان المحلي، وبما أن حزب «روسيا الموحدة» يحظى بأكبر نفوذ في الأقاليم الروسية لهذا نرى أن الرئيس بوتين يحظى بدعم سياسي ثابت هناك.

إن ما قيل أعلاه يتعلق بأسباب تقنية، وبالتالي ليست مفهومة دائما بالنسبة للمراقبين الأجانب الذين يتخبطون كثيرا في تفسير أسباب الدعم الشعبي الكبير داخل روسيا للرئيس بوتين. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الدعم له أسباب كثيرة موضوعية ذكرنا بعضها وهناك غيرها الكثير. ففكرة الرفاهية الوطنية التي تقدم بها وطورها بوتين طوال فترة رئاسته اعتمدت على أساس تم إعداده بشكل جيد.

واعتبر سكان البلاد المهمات الوطنية التي طرحها بوتين في إحدى رسائله إلى البرلمان الفيدرالي، وهي مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي خلال عشر سنوات والتغلب على الفقر ودخول 25 مليون مواطن روسي كانوا في وضع اجتماعي أقل من الحد الأدنى لمستوى المعيشة إلى المستوى المتوسط والمستقر والآمن، وكذلك النزعة الوطنية الواضحة عند الرئيس بوتين والتي انعكست بوضوح في إعادة بناء القوة العسكرية الروسية وتحديث الجيش وإعداده للذود عن أمن الوطن، وهو الأمر الذي كان الروس يتشككون فيه كثيرا في فترة حكم الرئيس السابق يلتسين.

وتظهر سياسة الوسط للرئيس بوتين أيضا في الجمع بين إصلاحات السوق والبرامج الاجتماعية بشكل مدروس. وتقدم الرئيس في العام الماضي بأربعة مشاريع وطنية: في مجال السكن والصحة العامة والتعليم والزراعة. ويخصص لتنفيذها أكثر من 180 مليار روبل «أكثر من ستة مليارات دولار». وهو مبلغ كبير جدا بالنسبة للميزانية الروسية.

ولا شك أن عرض أسباب شعبية بوتين في روسيا يكون ناقصا بدون الإشارة إلى نجاحات روسيا في مجال السياسة الخارجية خلال السنوات الست الأخيرة. فقد تخلصت روسيا في عهد بوتين بالذات نهائيا من تركة «الحرب الباردة» المهلكة بالنسبة لها وأزالت عزلتها عن الغرب وأقامت علاقات شراكة مع كافة دول العالم البارزة. ورئاسة روسيا لمجموعة «الثماني الكبار» في العام 2006 اعتراف واضح بسمعتها ونفوذها من قبل المجتمع الدولي. وقد أوصل روسيا إلى هذه الحال شخصيا فلاديمير بوتين أكثر القادة الروس شعبية خلال العقود الأخيرة.

جامعة سيبيريا