لعلنا في هذه السطور نساعد من يقوم بإعداد البيانات للطبعة الجديدة من كتاب غينيس للأرقام القياسية، الذي يضم في صفحاته أغرب الأشياء في العالم، لإضافة مادة جديدة إليه.

إلا أن حديثنا لن يكون حول أطول شخص أو أطول لحية في العالم، ولا حول أغلى يخت ولا عن أكبر قطعة كيك، بل سنتكلم عن أكبر سفارة في تاريخ البعثات الدبلوماسية، وعن أكبر عدد من العاملين في مجمع دبلوماسي. سيكون حديثنا عن السفارة الأميركية العملاقة في بغداد، التي حافظ المسؤولون الأميركيون على سرية مكانها لفترة طويلة من الزمن لأنه يقع في مدى أسلحة كثيرة يسهل الحصول عليها فهي متداولة بكثرة وسهولة في العراق.

إلا أن هذا السر سرعان ما انكشف، فمشروع بهذا القدر من الضخامة لا يمكن إخفاؤه، فقد بدأ البغداديون يتساءلون عما يجري على سواحل نهرهم الخالد دجلة داخل المنطقة الخضراء، وهم يرون غابة من الرافعات العملاقة التي تُستخدم في أعمال البناء، مشغولة بتنفيذ عمل كبير جداً لم يُعلن عنه.

لقد اعتاد نهر دجلة على كتمان أسرار من يجلس إلى جواره ويشرب من مياهه العذبة ويتذوق سمكه اللذيذ، فهو كالعهد به منذ الأزل، أفضل الندماء، لا يبوح بأسرار من يجالسه. ولكن هذه الرافعات العملاقة لم تتوقف عن الثرثرة عما يدور في هذه المساحة الشاسعة من الأراضي الثمينة المطلة على ضفافه، إلا أن ثرثرتها لم تستطع أن ترسم صورة لما يجري فيها كالصورة التي رسمها التقرير الذي أعدته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، والذي تسرب إلى وسائل الإعلام حول طبيعة المباني التي تُشيد في ذلك المكان.

فوفق هذا التقرير يشغل مجمع السفارة الأميركية في بغداد مساحة كبيرة جداً قدرها (420000 متر مربع)، وهي تعادل 16% من مساحة المنطقة الخضراء التي تضم مباني الحكومة العراقية والسفارات ومقر القيادات للقوات المتعددة الجنسية. ويضم هذا المجمع 27 مبنى أحدها مخصص كمقر للسفير بمساحة قدرها 1500 متر مربع.

ويقطن في هذا المجمع ما يقرب من سكان مدينة صغيرة، حيث سيعمل فيه 5500 شخص معظمهم من غير الدبلوماسيين، من ضمنهم فريق عمل خاص من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي ومتخصصون في مختلف الشؤون السياسية والفنية التي تتداخل مع اختصاصات الوزارات العراقية، ومتخصصون في مختلف القضايا التي تتعلق بالشرق الأوسط.

ويتميز هذا المجمع بتوفير درجة عالية من الإجراءات الأمنية التي تضمن السلامة للعاملين فيه، ويستطيع إيواء 615 شخصاً خلف جدران لا تخترقها القنابل. ويقع هذا المجمع الضخم شرق قصر الصمود، أحد قصور الرئيس العراقي السابق ومقابل المبنى الذي جرت فيه محاكمته.

وعند مقارنة حجم هذا المجمع مع مجمعات أخرى مهمة في العالم يتبين مدى ضخامته، فهو يبلغ ستة أضعاف حجم المجمع الذي يضم مباني الأمم المتحدة في نيويورك، وتعادل مساحته تقريباً مساحة ثمانين ملعباً لكرة القدم.

وتقدر كلفة إنشاء هذا المجمع بما يزيد على المليار دولار، وتقوم بتنفيذ أعمال البناء شركات مقاولات غير عراقية كشف النقاب عن بعضها فقط، وتم التستر على الأخريات، وبقيت التفاصيل المتعلقة بتصاميم المباني غير معروفة إذ لم يسمح بنشرها.

ولهذا المجمع قوة خاصة من مشاة البحرية الأميركية لحمايته، وله محطات لتجهيز الطاقة الكهربائية وتوفير المياه والقيام بالعمليات الخاصة بالصرف الصحي بشكل مستقل عن الشبكات الموجودة في المنطقة الخضراء. فمجمع السفارة هذا أشبه ما يكون بدولة قائمة لديها اكتفاء ذاتي، ولديها ضوابط أمنية معقدة ومتطورة جداً، مما يسمح بإضفاء تسمية المنطقة الحمراء عليها، كما يرغب في ذلك بعض الظرفاء الذين يوظفون اللون لإكساء الأسى حلة تهكمية.

ألوان جميلة مبهجة تُضفى على مناطق صغيرة جداً، منطقة حمراء! داخل منطقة خضراء!! في مدينة مترامية الأطراف تخيم عليها كآبة اللون الأسود الذي اعتاد العراقيون، وخاصة البغداديون، على رؤيته في رايات الحداد السوداء المنتشرة بكثرة في كل مكان والتي تنسجم وتتناغم مع ملابس أكثرية نساء العراق اللواتي يفضلن ارتداء ملابس بهذا اللون لأنه الأكثر مراعاةً لطبيعة المناسبات الاحتفالية التي تتكرر صباح مساء في مدنهم.

ومع أن مساحة هذه السفارة تعادل المساحة التي يشغلها الفاتيكان في العاصمة الإيطالية روما، إلا أن الدور السياسي الذي سوف تلعبه يختلف كثيراً عن الدور المتواضع الذي يقوم به بابا الفاتيكان وكرادلته الذين يخططون ويعملون على توفير الرعاية الروحية لمن أتعبته الحياة المادية وضعفت أواصر صلاته بالرب. فالذي سيشغل مبنى السفير في هذا المجمع الضخم سيكون «بابا» الشرق الأوسط، يمسك بيده عصا القيادة لجيوش جرارة وأساطيل بحرية وجوية عملاقة، وليس صولجاناً خشبياً لا يخيف أحداً.

إن ضخامة هذه السفارة والعدد الكبير للعاملين فيها والتعتيم الشديد المفروض على تصاميم مبانيها، مؤشر مهم على حجم ما تخطط الولايات المتحدة للقيام به في هذه المنطقة، فهي مركز القيادة التي سيكون على عاتقها تنفيذ سيناريو الشرق الأوسط الكبير الذي بشرت الإدارة الأميركية العالم به وبدأته باحتلال العراق قبل أكثر من أربع سنوات تحت الشعار الجذاب، نشر الديمقراطية في ربوعه.

لقد سبق لبعض دول المنطقة أن تعايشت مع الوجود العسكري الأميركي في قواعد خارج المدن، معتبرة القوات الأميركية قوات صديقة بسبب تقارب في الرؤى والسياسات بين هذه الدول والولايات المتحدة ساعد على التوصل إلى اتفاقيات أمنية بينهما.

إلا أن ما نشهده الآن شيء مختلف تماماً عن السابق، وجود أميركي غير مسبوق، سياسي وعسكري، ضمن استراتيجية لا تنبثق عن شراكة مع دول المنطقة، وإنما مستقلة عنها تمنح الولايات المتحدة حرية كاملة في صياغة المواقف وتنفيذ السياسات التي ترتئيها، بغض النظر عما يترتب على ذلك من انتهاكات لسيادة هذه الدول والإضرار بمصالحها.

فالاستراتيجية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط إذ تستبعد الاستمرار في الاختباء خلف الستار، كما كانت تحرص في الماضي حين كانت تكتفي بوضع سيناريوهات الانقلابات العسكرية وتباركها، لا تستبعد التدخل المباشر في شؤون دوله.

فما هو موقف الديمقراطيين الذين يمثلون الأغلبية في الكونغرس من مشروع الشرق الأوسط الكبير؟

منذ عززت الانتخابات النصفية التي جرت في نوفمبر من العام الماضي مواقع الديمقراطيين وأوصلتهم إلى قيادة الكونغرس بمجلسيه، لم يتركوا فرصة تمر دون أن يزعجوا البيت الأبيض بمواقف وقرارات وتهديدات تتعلق بالوجود العسكري في العراق، مشددين على وضع جدول زمني للانسحاب منه.

وقد شهدت الأشهر المنصرمة تصعيداً في التنافر بين إدارة الرئيس بوش وبين الكونغرس في هذا المجال بالذات، إلا أن الملفت للنظر هو أن الكونغرس يتجاهل مناقشة جوهر استراتيجية الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط.

الديمقراطيون لديهم مواقف مجتزأة غير متكاملة وغير منسجمة مع بعضها البعض، فهم لا يطعنون في الأطر العامة للسياسة التي تتبعها الإدارة الحاكمة ولا يعترضون عليها، ولم نسمع عن نقاش عاصف في الكونغرس يدور حول السفارة التي تُشيد في بغداد. فمعارضتهم قد اقتصرت على التماهي مع موقف الرأي العام الأميركي الرافض للوجود العسكري في العراق، وهو موقف حقق لهم مكاسب انتخابية لا يستهان بها وقد يسهل لهم الوصول إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ولا بد لنا في هذا السياق أن نذكر بأن الديمقراطيين ليسوا بعيدين تماماً عما قامت به إدارة الرئيس بوش، فقانون تحرير العراق الذي يعتبر المدخل الحقيقي إلى الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط قد أصدره الكونغرس عام 1998 إبان رئاسة بيل كلينتون. الجمهوريون أكثر تناسقاً وتناغماً في خططهم وطروحاتهم، فهم يرون أن تدخلاً في شؤون الشرق الأوسط يتطلب وجوداً عسكرياً كثيفاً، ويتطلب نقل الإدارة الأميركية نفسها إلى هناك، وذلك بإنشاء بيت أبيض جديد على ضفاف نهر دجلة.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae