عندما تعرضت الفنانة اللبنانية الجميلة هيفاء وهبي منذ حوالي الشهر لحادث ارتطام طائرة بسيارتها التي كانت تقودها بنفسها، خلال تصوير مشهد من فيديو كليب لاحدى أغنياتها، ذهب بعض الظرفاء في خياله الجانح إلى حد اتهام سوريا بوقوفها خلف هذا الحادث المدبر، على اعتبار أن المنطقة التي كان يتم فيها التصوير محاذية جدا للحدود السورية.
ولأن سوريا لها أطماع تاريخية ومعروفة ببلاد الارز وتتربص بلبنان شراً وعينها على كل شيء جميل بما فيه هيفاء وهبي، حسب قول بعض أقطاب الأكثرية في لبنان فإنها حسب منطقهم لن تتورع عن القيام بهذه الفعلة، طالما أن سوريا مسؤولة عن تدفق الجو الصحراوي عبر اراضيها إلى لبنان وعن الولادات المتعثرة في المستشفيات وقطع الكهرباء عن الضاحية والجنوب.
ولكن خبر الاعتداء المدبر على هيفاء كاد البعض منّا أن يصدقه، خصوصاً بعد أن أصدر نقيب الفنانين السوريين صباح عبيد قرارا بأن هيفاء وهبي وإليسا وروبي ممنوعات من الدخول إلى سوريا لأنهن يسببن «التلوث الأخلاقي بالغناء الذي ينتمي إلى العري أكثر من انتمائه للغناء العربي»، فيما ذهب البعض إلى الزعم والاستنتاج، على الطريقة اللبنانية المتبعة حالياً في كيل الاتهامات وصناعة الشائعات، إلى أن أسباب منع هيفاء وهبي من دخول سوريا هو لأنها غنّت لقائد القوات اللبنانية سمير جعجع، أما الثانية وهي المطربة إليسا فقد نزلت إلى الشارع وشاركت في تظاهرات 14 آذار التي كانت تطالب بالخروج السوري من لبنان.
لا غرابة في ذلك، فقد قرأنا منذ شهرين مقالات عنيفة لكبار المعلقين السياسيين في الصحف اللبنانية ضد بعض الفنانين اللبنانيين الذين شاركوا في أحد المهرجانات الفنية المعروفة في سوريا، ولمسنا أن هذه الأقلام اعتبرت أن من صلب رسالتها المقدسة الدفاع عن سيادة بلاد الأرز التشهير بهؤلاء وأخذت ترمي بسهام نقدها العنيف ضد المطربة نجوى كرم وفارس كرم وعاصي الحلاني وسواهم من المطربين والفنانين اللبنانيين الذين ارتكبوا خطيئة الذهاب إلى أرض العدو والغناء لجماهيره .
هذا العدو، الذي كان بالأمس القريب جداً حليفاً استراتيجياً، ودفع هذا الجمهور الذي أصبح عدواً لبعض اللبنانيين أكثر من خمسة عشر ألف شهيد لإعادة وحدة لبنان وأخرجه من أسوأ حرب أهلية في العصر الحديث. نحن نعلم أن الكثير من الفنانات والفنانين اللبنانيين تحديداً والعرب عموماً لهم نزعات سياسية، وهذا ليس بالأمر السيء.
باعتبار أن هؤلاء الفنانين جزء من صنّاع الرأي العام في المجتمعات العربية، فهم يرسمون الفرحة والبسمة كما كان الأمر عليه في عصر عبدالناصر، الذي كان عبدالحليم حافظ واحداً من وجوده الاستراتيجي واستقراره الاجتماعي، ولهذا فإن هيفاء وهبي التي دخلت عالم الفن بمواهب جمالها واستطاعت أن تفرض نفسها رغم الانتقادات الشرسة ضدها، ولكنها لم تكن غائبة عن مسرح السياسة، حيث كانت بين الحين والآخر تدلي بدلوها.
ففي العام الماضي عندما كان أولمرت يدك بطائراته وآلته العسكرية بلدها لبنان بشكل وحشي نسب إليها تصريح مفاده أن المقاومة اللبنانية افتعلت أزمة مع إسرائيل ولم تستشر أحدا، ثم للأمانة فقد نفت هيفاء هذا التصريح، وأعلنت تعاطفها مع الوضع الإنساني للناس، مع العلم أنها تنتمي جغرافيا إلى الجنوب اللبناني.
كل شيء في لبنان بات يأخذ طابعاً سياسيا، وإذا كانت سوريا قد خرجت بريئة من دم هيفاء وهبي وهذا أمر مؤكد فإن طريق وادي الحرير الذي غنت له فيروز في الماضي، مازال مقفلاً في وجهها إلى أن تغير في نمط غنائها، بالخروج من عباءة «شوف الواوا» إلى رحاب إبراهيم الموصلي وشيخ الفنانين صباح فخري وصبري مدلل آخر شيوخ الطرب في سوريا.
أعتقد أننا نحمل المسائل فوق ما تحتمل، فهيفاء وهبي واليسا وروبي وشيرين وسواهن لن يصلن إلى مستوى المقامات التاريخية وأنهن وجوه ترسم الفرح في قلوب الناس المعتمة والمنكسرة،، فلا يمكن أن نطبق عليهن القواعد الصارمة الموجودة في الكتب القديمة.