كثيرا ما استخدم البعض من عديمي حسن النية نموذج الاتحاد الأوروبي قائلين إن العرب لكي يتحدوا لابد لهم أن يصلوا إلى المستوى العلمي والحضاري الذي وصل إليه الأوروبيون، وأن يتخلوا عن «تخلفهم»، ويقصدون بالتخلف هنا الثوابت من عقائد ومبادئ و تقاليد وتراث تاريخي، فهم يرون أن اتحادنا لا يعوقه أعداؤنا بل يعوقه ديننا ولغتنا المشتركة بثقافتها المتخلفة وعاداتنا وتقاليدنا وأفكارنا القومية التي لا تناسب العصر.
أما حسنو النية من العرب فينظرون للاتحاد الأوروبي كنموذج يجب أن يحتذي به العرب في السعي لتكوين وحدتهم التي ستظل دائما هي الحلم الأكبر لهذه الأمة، ويرى حسنو النية القوميون أن لأعداء الأمة دور كبير في إعاقة تحقيق حلم الوحدة العربية كما كان لهم الدور الأكبر في تأسيس ودعم الاتحاد الأوروبي الذي كان يخدم مصالحهم في زمن الحرب الباردة.
الآن وبعد نصف قرن يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة يرى البعض معها أنها ستكون بداية الانهيار لهذا الاتحاد الذي طالما تغنى به الآخرون من غير الأوروبيين مثل العرب وطالما تمنى وحلم جيرانه بالانضمام إليه أمثال تركيا وأوكرانيا وغيرهما.
قمة الاتحاد الأوروبي التي انعقدت مؤخرا في بروكسل في 21 يونيو الماضي في الذكرى الخمسين لتوقيع اتفاقية روما التي أسست الاتحاد وبحضور ممثلي 27 دولة، عكست هذه القمة حالة الضعف والتدهور الخطيرة التي يمر بها الاتحاد الآن، والتي يتوقع معها الخبراء والمحللون أن تمثل بداية النهاية للوحدة الأوروبية التي طالما تغنت بها الأمة العربية وغيرها بينما يرفضها الكثير من شعوب أوروبا الذين عبروا عن رفضهم في العام الماضي من خلال الاستفتاء على الدستور الموحد.
وتتمثل مشكلة الاتحاد الأوروبي الآن في الدول جديدة العضوية فيه الخارجة من المعسكر الاشتراكي المنهار، مثل بولندا وتشيكيا واستونيا ولاتفيا وغيرها، هذه الدول تلعب الآن داخل الاتحاد دورا يرى فيه البعض، وخاصة الألمان والفرنسيين، أنه دور هدام وسيء النية وتحركه قوى أخرى أجنبية (يقصدون بالتحديد واشنطن ولندن) لا تريد للاتحاد ألأوروبي الاستقلالية في قراراته عنها.
لقد ظهرت في الاتحاد الأوروبي في الأعوام الخمسة الأخيرة نزعة جديدة تقودها فرنسا وألمانيا تدعو لتقوية البنية الاتحادية الأوروبية ودعم استقلاليتها عن أي قوى خارجية، وتطرح فرنسا «ساركوزي» مبدأ التصويت بالأغلبية بدلا من مبدأ الإجماع الذي يعوق عمل الاتحاد، ولكن بولندا ترفض وتصر على الإجماع الذي يعطيها حق الفيتو على أي قرار لا تقبله أو لا تقبله الجهات الأجنبية التي تحرك بولندا وغيرها من الدول الصغيرة الجديدة في الاتحاد، وبين بولندا وألمانيا ثأر قديم منذ زمن الحرب العالمية الثانية.
ويرى البولنديون أن الألمان حتى الآن لا يعترفون بهم كدولة وشعب، بينما الألمان يرون أن البولنديين دأبوا دائما على لعب دور «الطابور الخامس» المشكوك في انتمائه ووطنيته وأنهم يحقدون على أوروبا كلها ومستعدون دائما للعمل لحساب القوى الخارجية، ويرى الألمان والفرنسيون أنه لا يجوز لدولة مثل بولندا أن يكون لها في الاتحاد الأوروبي حقوق متساوية مع دول كبيرة مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا.
الأوربيون يريدون التعاون مع روسيا لحاجتهم لمصادر الطاقة منها وبولندا واستونيا وتشيكيا ولاتفيا يرفضون، والأوربيون يرفضون الخضوع لواشنطن ولا يقبلون هيمنتها على أمنهم، بينما تفتح بولندا وتشيكيا أراضيهما لنشر منظومة الدفاع الصاروخي الأميركي الذي ترفضه روسيا. الخلافات تنمو وتشتد وتهدد الاتحاد الأوروبي.
وكما قال رئيس الوزراء الإيطالي رومانو برودي «لقد أصبحت لدينا أوروبيتان إحداهما الأغلبية تسير للأمام وأخرى أقلية تسعى لتقليص دور وفاعلية الاتحاد». طالما تغنى العرب بالاتحاد الأوروبي، ويبدو أن مبالغاتهم في الإشادة بهذا الاتحاد دون معرفة ما يحدث داخله قد أصابته بعين قوية، وها هم الأوروبيون أنفسهم يتوقعون ألا يصمد اتحادهم عشر سنوات أخرى إذا ما استمرت التدخلات الأجنبية، وخاصة الأميركية منها، في اختراقه مستخدمة الدول الصغيرة الجديدة العضوية فيه .
إذا كانت عين العرب بهذه القوة فلنأمل بأن يوجهوها لأميركا أو إسرائيل لعلنا نضع بأعيننا حدا لجبروتهم وبطشهم بنا .