إذا كنتم تعتقدون أن الحرب على الإرهاب تجري بصورة سيئة، وأن أجهزة مخابراتنا تحذر من أن القاعدة أعادت بناء نفسها، فألقوا نظرة على الحرب على المخدرات! مضى على إعلان دونالد ريغان الحرب على المخدرات 25 عاماً. وتضاعفت أعداد سجنائنا أربع مرات منذ ذلك الوقت. وازدهرت صناعة بناء السجون التي يبلغ رأسمالها مليارات عديدة من الدولارات، لكي تقوم بإيواء كل من حوكم بالاتجار أو تعاطي المخدرات.

وبدلاً من بناء المدارس فإن الولايات المتحدة تبني السجون. وتم إنفاق المزيد من المليارات عند الحدود، وفي محاولاتٍ لاستئصال كارتلات المخدرات بدءاً من كولومبيا وصولاً إلى أفغانستان. غير أن الخبراء يذكرون اليوم أن المخدرات الأرخص ثمناً والأشد تأثيراً من أي وقت مضى متوفرة بسهولة على امتداد أميركا.

وفي دراسة تبعث على الذهول لصحيفة «شيكاغو تريبيون»، يتحدث درانيل ليتل عن حرب على المخدرات ضلت طريقها. وحتى فيما يعد موقف الساسة صارماً حيال المخدرات والجرائم، فإن من هم أقرب إلى الجهد الذي يبذل في هذا الصدد يدركون أنه آن الأوان لتغيير الاسترتيجيات.

وكما لخص تيم إيفانز، كبير القضاة في دائرة محاكم مقاطعة كوك بقوله: «كانت هناك فكرة في الثمانينات... مفادها أنه إذا حبست هؤلاء الأشخاص فإنه بطريقة ما سيحل ذلك كل شيء. ولم تنجح هذه الوسيلة. وأعتقد الآن أن البندول يتأرجح بعيداً عن حبسهم وإلقاء المفتاح بعيداً باتجاه محاولة إيجاد طريقة معقولة لحل هذه المشكلة».

ولكن الخسائر في هذه الحرب تتراكم باستمرار، وفي اختلال مذهل، فإن لهذه الخسائر تركيبا مختلفا جداً عن تركيب متعاطي المخدرات في أميركا. معظم متعاطي المخدرات ليسوا سوداً أو من أصول لاتينية، وإنما هم بيض. وكما يذكر ليتل، فإن دراسة أجريت عام 2003 من قبل جامعة إلينوي في مختبر بحوث المسح بشيكاغو، توصلت إلى أن معدلات تعاطي المخدرات في إلينوي كانت متساوية بصورة جوهرية لدى المجموعات العرقية المختلفة.

وعلى المستوى الوطني، فإن نتائج مماثلة تم التوصل إليها من قبل دائرة الصحة والخدمات الصحية في مسح وطني أجري عام 2005 حول تعاطي المخدرات والصحة. لماذا نظن أن الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات هم من أقليات؟ ذلك أن أبناء الأقليات هم من ينتهي المطاف بهم إلى أن يحاكموا ويزجوا في السجون.

إن الحقيقة مرة للغاية، ومخزية. إذا تعاطى السود المخدرات، فإنهم هم من يتم القبض عليهم على الأرجح لحيازتهم المخدرات وبيعها. فهم أكثر تعرضاً للمحاكمة إذا قبض عليهم، وأكثر تعرضاً للسجن إذا حوكموا وأكثر تعرضاً لأشد أنواع العقاب إذا حوكموا. والإحصائيات التي حصل عليها ليتل من مصادر فيدرالية تقدم تفاصيل عن هذه الحقيقة.

يشكل الأميركيون من أصل إفريقي 13% من متعاطي المخدرات، ولكنهم يشكلون 32% ممن يتم القبض عليهم، وأكثر من نصف من يودعون في سجون الولاية. في إلينوي، حيث أنشطة الشرطة تعد عدوانية في شيكاغو وسلبية في الضواحي، فإن التباينات أسوأ بكثير. حيث إن 70% من متعاطي المخدرات بيض، ولكن حوالي ثلثي من يسجنون هم سود.

إن الأرقام تحصي الخسائر في الأرواح. يُرسل الشباب بصورة سائدة إلى السجون التي تتحول إلى كليات لتعليمهم الجرائم. وهم يحصلون على سجل سوابق يلقي ظله عليهم، ويكتسبون معرفة بالجرائم التي تدينهم. والعائلات الشابة تتفرق.

إذا التحق المرء بجامعة في أميركا، فإنه يجد نفسه في منطقة افتراضية تتداول فيها المخدرات بحرية. وإذا ذهب إلى العمل في وسط المدينة فإنه يجد نفسه في منطقة حرة لتبادل إطلاق النار.

لماذا هذه التباينات العرقية؟ معظمها يعود إلى العنصرية، ألوان التحيز، التي لا تزال تشوه كثيراً من جوانب حياتنا، وبعضها عرضي. ومعظم عمليات ترويج المخدرات في المناطق الحضرية تحدث في الأسواق المكشوفة التي تتحكم بها عصابات الشوارع. والمنطقة المحيطة بالأسواق تغدو موبوءة بالجرائم والعنف المرتبط بالمخدرات. ويطالب المواطنون الشرطة باتخاذ إجراءات صارمة.

وفي الضواحي وحرم الجامعات، تميل عمليات ترويج المخدرات إلى أن تصبح خاصة، وتتم من شخص لآخر في غرف السكن الجامعي، بيوت الإخاء، وغرف المعيشة بالضواحي. هناك جرائم وممارسات عنف أقل تركيزاً، ويميل الرأي العام، على الرغم من كل التباهي بالحرب على المخدرات، إلى التراخي بشأن فرض القانون. أقر المشرعون قوانين تنص على تطبيق عقوبات أكثر صرامة لعمليات البيع التي تتم حول المدارس، والكنائس، والحدائق العامة، ودور الرعاية.

وتظهر الدراسات أن الأحياء داخل المدينة برمتها تطبق عليها افتراضياً هذه القوانين، في حين أن الضواحي التي تنتشر فيها المخدرات بصورة أكبر يعد تطبيقها لهذه القوانين أقل بكثير. وهناك تفاوت فاحش بين الحكم الصادر على من يتعاطى الكوكايين، مخدر الأغنياء، والمسحوق المشتق من الكوكايين، وهو مخدر الشوارع. إن المعركة ضد القاعدة أخذت منحيً خاطئاً حالما أطلقت عليها الإدارة الأميركية وصف الحرب، وغزت العراق، وازدرت الحلفاء والشرطة وعمل الاستخبارات المهم لمواجهة الإرهابيين الذين لا ينتمون إلى أي دولة.

إن مساعي التخفيف من محنة المخدرات لم تجر على نحو صحيح عندما أطلق عليها اسم الحرب، واستدعي العسكريون لمواجهة حقول الخشاش من بيرو إلى أفغانستان، وأطلق العنان للشرطة في مدننا، وجرت السخرية من العلاج الذي يشكل أهمية كبيرة للمدمنين، والتعليم والوظائف المهمة لمنح الشباب أملاً ومنفذاً. يقول القاضي إيفانز: إلى إننا نبدأ في تعلم ذلك، ولكن كما تعلمنا في العراق فإن تغيير المسار لن يكون سهلاً.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»خاص ل: «البيان»