رغم كل شيء ما زال الفرنسيون قادرين على أن يثيروا مشاعر الاندهاش في نفوس سكان العالم. ولقد بلغ أمر الفرنسيين الحد الذي دفع أركان الإدارة الجديدة ـ إدارة ساركوزي ـ الحاكمة في باريس ليناشدوا قومهم أن يغيروا أسلوب حياتهم المعهود عبر القرون كي يتبنوا الشعار الذي يقول:

«قليل من الفكر والفلسفة.. وكثير من الجهد والعمل..» مع ذلك فحتى الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي يشذ عن القاعدة التي تنادي بتقليل اللجوء إلى الفلسفة والكتابة.. ورغم دعوته التي تكررت خلال أيام ترشيحه للمنصب الأول في قصر الاليزيه باتباع النهج العملي ـ البراغماتي (أسوة بالأميركان) في التعاطي مع قضايا السياسة الداخلية والخارجية..

وفي عدم الإمعان ـ إلى حد الإغراق في الطروحات الفكرية والتأملات الفلسفية ـ إلا أن الرئيس الفرنسي طالع جماهير القارئين والمفكرين ـ وربما حتى المتفلسفين بإنتاج فكري وتأملات متفلسفة أولها كتاب جديد وثانيها أحاديث أوردتها مقالة ضافية، و.. البقية تأتي بطبيعة الحال.

يسترعي اهتمامنا أساسا أن كلا من كتاب ساركوزي ومقالته عمل يهتم بطرح رؤية كاتبه إزاء بُعدي الزمان والمكان: فالكتاب يتكلم عن فرنسا في القرن الحادي والعشرين، والأحاديث الصحفية ومن ثم المقالة التي لخصتها تتكلم عن فرنسا ودورها في منطقتي الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط على السواء.

ومرة أخرى، فرغم دعوات ساركوزي وعدد من وزرائه إلى التجديد ومحاولة التخلي عن الأعراف التقليدية ـ فقد جاء كتاب ساركوزي ـ كما يلاحظ الفيلسوف الفرنسي الشهير «برنارد هنري ليفي» - تأكيدا لتقليد ما برح متبعا في أعراف السياسة الفرنسية، ذلك الذي يقضي بأن يُصدر السياسي المحترف أو رجل الدولة الفرنسي كتابا (أو أكثر) بحيث لا يقتصر الأمر على أن يكون اسمه مذكورا في سجل السياسة بل يتعدى ذلك إلى أن يرد اسمه في سجلات المفكرين والكاتبين وربما أعضاء الأكاديمية الفرنسية كما هو حاصل مع الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري ديستان.

في هذا السياق يقول الفيلسوف هنري ليفي:

؟ لست أعرف أي سياسي كبير في فرنسا لم تراوده يوما فكرة تأليف أو نشر كتاب... إنها إذن فكرة الربط بين القلم والسيف.. (أي بين الفكرة والسلطة) أو بين السياسة والأدب وهي فكرة ما برحت مطروحة لأنها موروثة من أيام إرهاصات الثورة الفرنسية التي عمل على التمهيد لها مفكرون وفلاسفة. ثم يلخص الفيلسوف رأيه في كتاب الرئيس ساركوزي في عبارة تحمل مزيجا من الدقة والتهكم حين يقول: «نحن أمام برنابرت ولكن طبعة حديثة. «نيو لوك» (نيويورك تايمز ملحق الكتب ـ 22 يوليو 2007).

مع ذلك، فربما يعنينا أكثر ـ من منظورنا العربي - أن نطلّ في لمحات مركزة على المقال الذي لخصوا فيه رؤية الرئيس الفرنسي وهو منشور في أحدث أعداد مجلة «ناشيونال إنترست» (عدد يوليو ـ أغسطس 2007) الصادرة في واشنطن وهي فصلية مهمة يشرف على تحريرها اثنان من كبار الساسة الأميركيين وهما: هنري كيسنجر وجيمس شلزنجر. وبالمناسبة، فالمقالة تستند إلى مضمون الحديث التفصيلي الذي أدلى به الرئيس ساركوزي إلى مجلتي ناشيونال انترست وبوليتيك إنترناسيونال. ومنذ البداية يستلفت الاهتمام أن ساركوزي يحاول أن يصل بين فرنسا ـ القرن الحالي الجديد، وبين فرنسا ـ الثورة الفرنسية ومبادئها منذ أواخر القرن 18، ولكن مع إضفاء التعديلات اللازمة ـ »نيو لوك» إن جاز التعبير.

في نفس السياق يورد الفيلسوف الفرنسي أمثلة من ساسة فرنسا الذين أرادوا أن يكونوا أدباء ـ ما بين الوزير الأشهر ريشيليو (في عهد لويس السادس عشر) الذي أراد أن يكون كاتبا مسرحيا.. إلى كليمنصو رئيس وزراء فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى الذي كتب بالفعل أوبرا بعنوان «قناع الأحلام»، إلى شاتو بريان، الأديب الذي كان يريد أن يكون وزيرا، إلى ديغول الذي كتب مذكرات رائعة أشادت بعظمة فرنسا وصمودها بوجه الاحتلال النازي إلى مالرو الروائي الكبير الذي كان صديقا للجنرال ديغول وعمل أيضا وزيرا للثقافة في عهده خلال الستينات.

وفيما أصبحت شعارات الثورة الفرنسية أمرا بديهيا في كل سياق وهي: الحرية + الإخاء + المساواة فقد حرص ساركوزي في مقالته المنشورة بالإنجليزية على أن يورد الشعارات في أصلها الفرنسي على نحو يقول: الحرية + الإخاء + الحداثة، مشيرا في ذلك إلى رؤيته لدور فرنسا الجديدة في إطار علاقات باريس ـ واشنطن، وعلاقاتها في إطار الاتحاد الأوروبي فضلا عن دور يتصوّره لها في منطقتي البحر المتوسط والشرق الأوسط، سواء من حيث أسلوب فرنسا في التعامل مع القضايا أو من حيث علاقات فرنسا مع مختلف دول هذه المنطقة.

وبالنسبة للاتحاد الأوروبي ما زال ساركوزي ينظر بعين التمييز والتحفظ وربما التمنّع (وهو أمر مرفوض من حيث المبدأ) إلى قبول عضوية تركيا بين دول الاتحاد. تركيا بالنسبة له لا تملك حق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لأنها كما يقول دولة غير أوروبية.. فما بالك بعد نتائج الانتخابات الأخيرة في تركيا.

لذلك يدعو ساركوزي إلى ما يطلق عليه عبارة «الشراكة المتميزة»، وصفا لعلاقة تربط بين الاتحاد الأوروبي والدول التي يراها واقعة عند أطرافه أو حوافه الجغرافية سواء في البحر المتوسط أو في التخوم المشتركة من قارتي آسيا وأوروبا (أوراسيا كما يسميها). ويمضي الرئيس الفرنسي خطوة ابعد كي يقترح ما أصبح يتردد مؤخرا في أدبيات السياسة الدولية تحت اسم مستجد وهو.. الاتحاد المتوسطي.

إنه رابطة تضم دول حوض البحر الأبيض المتوسط يرى ساركوزي أن بوسعها أن تتعاون مع الاتحاد الأوروبي. وأيضا مع مجموعة الثماني ـ الدول الصناعية المتقدمة الكبرى ـ من خلال المجلس المتوسطي الذي ينشأ على غرار مجلس أوروبا. وما زالت الفكرة المتوسطية مطروحة وهي بحاجة إلى إغناء ونقاش أكثر عمقا من جانب الأطراف العربية بالذات.

من ناحية أخرى يؤكد الرئيس الفرنسي عمق ومتانة واستمرارية العلاقة مع الولايات المتحدة حيث يعدّ هذه العلاقة بمثابة حجر الزاوية لاستقرار العالم (ناسيا بالطبع أن سلوكيات محافظي أميركا الجدد منذ أوائل القرن الحالي وما أقدموا عليه من تدخلات عسكرية وغير عسكرية أفضت بأكثر من منطقة في هذا العالم إلى حالات من زعزعة الاستقرار).

مع ذلك لا ينسى ساركوزي أن يردد نغمة لها إيقاع ديجولي بمعنى استقلالي، ولو كان إيقاعا خافتا من بعيد لبعيد. لقد عمد إلى التذكير بأن كلا من الطرفين الأميركي والأوروبي سيظل بحاجة إلى حلف ـ الناتو الذي يجمع بينهما عبر ضفتي المحيط الأطلسي، ومن ثم تحتاج أوروبا إلى أن لا تصبح هذه المنظمة الأطلسية، في الواقع أو في المظهر خاضعة للرغبة الأميركية، ولا تصبح أيضا نسخة من منظمة دولية لها أجندة إنسانية ـ سياسية عسكرية مثل الأمم المتحدة.

عن الشرق الأوسط، وهو ما يستأثر أكثر بالاهتمام العربي، لا يكاد الرئيس ساركوزي يضيف جديداً عندماً يرصد في توصيفه لأحوال منطقتنا ما أصبحت تعانيه من عدم استقرار وصراعات أهلية وحروب داخلية، فضلا عن التهديدات بنذر السلاح النووي. وهو يدعو إلى أهمية التعاون مع العناصر التي ما زال يصفها بـ «الاعتدال» من أطراف المنطقة خاصة من خلال منظوره لأهمية دور فرنسا التي ما زالت تستند إلى موقفها إزاء عدم المشاركة في غزو العراق، وعلاقتها التاريخية مع لبنان، وتعاطيها مع الأزمة الإيرانية منذ عام 2003، فضلا عن كونها صديقا ملتزما ـ كما أضاف ساركوزي - مع كل من إسرائيل والشعب الفلسطيني.

من هنا يدعو رئيس الاليزيه إلى التوصل لتسوية سياسية في العراق تحول دون اتساع الصراعات الطائفية أو العرقية، ناهيك عن اندلاع الفوضى في أرض الرافدين.. كما يدعو إلى أهمية الدفاع عن سيادة لبنان ووحدة أراضيه. أما بصدد القضية الفلسطينية بكل موقعها المحوري بين قضايا الشرق الأوسط وهمومه فيؤكد الرئيس الفرنسي موقف بلاده وحكومته إزاء هذه القضية في عبارات يقول فيها:

تتلخص قناعتي في أن الحل الدائم الوحيد هو التوصل إلى سلام عادل من خلال اتفاق يتم التفاوض عليه، ويقضي بقيام دولتين ديمقراطيتين قابلتين للحياة والاستمرار وتتعايشان جنبا إلى جنب في ظل الأمن وفي إطار حدود مستقرة ومعترف بها.

ويضيف في نفس السياق: لا يستطيع أحد أن ينكر حقيقة أساسية وهي:

أن الشعب المحتل لن يعرف يوما الاستسلام، بصرف النظر عما يمكن أن يعانيه أو يتحمله. هذا هو السبب الذي يدعو إلى أهمية تحقيق التوازن بين الجانبين.. (وإذا كان) أمن إسرائيل أمرا لا جدال فيه، وإذا كان استخدام الفلسطينيين العنف لا مبرر له.. فإن إبقاء إسرائيل على حالة الأمر الواقع (في الأرض المحتلة) أمر يرتهن أو يصادر مستقبل هؤلاء الفلسطينيين.

وبعد، إن المحلل السياسي ينبغي أن يطل مع هذه الأفكار والأقوال من منظور الاهتمام العميق.. فهذا هو رئيس مستجد للبلد الأوروبي الكبير يتحدث من حل الدولتين ويتفهم رفض الشعب الخاضع للاحتلال لأي استسلام أو قنوط. لكن ها هو الفيلسوف برنارد ـ هنري ليفي يعود إلى تذكيرنا ـ في تعليقه على كتاب ساركوزي ـ بأن النزعة العملية الواقعية هي من خصائص شخصية الرئيس الفرنسي.. ويستخدم الفيلسوف الفرنسي تعبير «البرغماتزم» النابع من واقع السياسة الأمريكية الذي يصل في ظلال معينة إلى حيث النفعية بل لا يتورع الفيلسوف عن أن يضيف في هذا السياق بالذات صفات من قبيل الانتهازية والتشكك السوداوي.

مع ذلك فأيا كان المنطق أو التصور الذي يصدر عنه رئيس فرنسي جديد فالمهم أن الرجل أوضح رؤيته. والأهم أن الرؤية تستند إلى فكرة العدل ورفض استمرار الاحتلال وتفهم عدم الاستسلام من جانب الخاضعين لهذا الاحتلال. وتلك أمور ينبغي أن يبدأ منها أي طرف عربي يندب نفسه للتعامل مع القيادة الفرنسية التي دخلت مؤخرا إلى قصر الرئاسة في الاليزيه.

كاتب مصري