جاءت قمة آسيا الكروية عربية مئة بالمئة بين المنتخب السعودي والمنتخب العراقي، وبدا واضحاً أن المشجع العربي واقع في فخ لمن الانحياز، وعلى الطرف الآخر أصبحت المسألة أن الفوز من احد الطرفين محسوب لصالح الكرة العربية، وبالتالي فإن الذي تابع المباراة جلس مرتاحاً متكئاً..
عن نفسي بدا لي الأمر انحيازاً مطلقاً للمنتخب العراقي من أول صافرة للحكم، وليس هذا الشعور مجيراً ضد المنتخب السعودي، لكنني كبقية بشر العالم على هذه الكرة الأرضية ممن يتمنون قناعاً آخر على وجه العراق والعراقيين غير قناع الموت والألم، غناء آخر غير المواويل الحزينة، كنت أتمنى شيئاً يحدث ويغيّر وجه تاريخه الحالي، ولو بأضعف الإيمان، كرة مدورة تركل في مستطيل يتراقص في خضرته لاعبون بارعون..شيء يقتلع الهم الكبير الجاثم فوق الصدر، بعد اليأس العظيم، يأس العجز عن إنقاذ أشقاء وأهل فقدوا الأمن والطمأنينة، نست أقدامهم دروب الحدائق والمتنزهات واعتادت دروب المقابر وخيم العزاءات في المساءات الحزينة التي لا تنتهي..
مع كل ركلة كرة من قدم لاعب عراقي، كان العراق في عيني يدور دوران الأرض حول مآسيه وابتلاءاته.. بعد انتهاء المباراة ازدانت سماء الملعب بالألعاب النارية، نار لكنها نار فرح، اللاعبون الذين أنشدوا باسم عراقهم ورقصوا..رقصوا بكؤوس الفوز في أيديهم لا ببنادق..في شوارع العراق المحترقة بالبارود الغريب وفي شوارع الوطن العربي وشوارع العواصم الأجنبية التي احرقها صمت ذبح العراق على مذبح التاريخ خرجت الوجوه بأقنعتها الحقيقية.. من شاهد ابتسامات العراقيين غير هذا اليوم؟
مؤلم وحزين فوز العراق في مسابقة كرة قدم، مقابل خساراته في سباق الحياة الآمنة والبناء والاستقرار..ما زالت غرف العمليات في مستشفيات العراق تعمل بالأجهزة الطبية القديمة، لأن الذي غزاها وغذى نار الموت بين أهلها لم يجلب لها إلا البؤس.. مازالت ساحات المدارس تفوح برائحة الجثث، وأقدام الأطفال لا تدوس العشب الأخضر اللين، بل مسامير بقايا السيارات المفخخة..ما زال، وما زالت خيرات العراق وكنوزه الذهب منهوبة وبعيدة عن أفواه العراقيين..
رقص وضحك وفرح العراقيون بالأمس وحملوا رايات النصر، بكوا وقالوا كلنا للعراق، اسقطوا الشعارات كلها..هذه الصورة هي التي غابت وماتت وتوقعها الغازي يوم غزوته..إذاً يعرف العراقيون الفرح ولهم فيه صولات وجولات..
ركلة واحدة جلبت هذه السعادة..بركلة جريئة أخرى ستنساب أشعار السياب على ضفاف دجلة والفرات..الركلة الجريئة هي التي ينتظرها وجه العراق الكئيب..
