تراهن حكومة سلام فياض الفلسطينية على أن الغرب بقلبه الكبير سينتزع حقوق الفلسطينيين المغتصبة من فم الذئب الإسرائيلي، ولذلك فإنها تسقط بضمير مستريح حق المقاومة، وتعتبر الانتفاضة مجرد فوضى مسلحة.. وتقدم نفسها كشريك سلام قادر على أن يمنح إسرائيل ما لم يمنحه لها الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي ذهب يوما إلى آخر الشوط لكنه عاد بخفي حنين.
يفترض أن الفلسطينيين يتعلمون من أخطائهم، إذ لا تنقصهم الفطنة والوعي بالعقلية الإسرائيلية التي خبروها منذ نحو 60 عاماً، وهم يعلمون من تجارب الإسرائيليين معهم أو مع غيرهم أن شريكهم ـ المغتصب لوطنهم ـ لا يلقي بالا للحقوق ولا للالتزامات التي تفرضها القرارات الدولية، ولا يفهم إلا لغة وحيدة هي لغة القوة، فالقرار 425 الخاص بالانسحاب من الجنوب اللبناني ظل حبرا على ورق لمدة 22 عاماً.
ولم يتذكره الإسرائيليون إلا عندما بدأ جنودهم يعودون متشحين بأكفانهم من الجنوب اللبناني. بنفس المنطق ظلت القرارات الخاصة بهضبة الجولان لا وزن ولا معنى لها في العقلية الإسرائيلية ذلك أنها هادئة ومسالمة، وكذلك القرارات الخاصة بالضفة وغزة حتى تحولتا إلى جحيم تحت أقدام الإسرائيليين خلال انتفاضة 87، ومن هنا بدأ السعي الإسرائيلي للخروج الذي ترجم نفسه في اتفاقات أوسلو.
منطق الشراكة والنيات الحسنة هذا سبق وأن جربه عرفات، فقمع الرجل المقاومة حينا، وتفاهم معها أحيانا، ونعمت إسرائيل بسنوات هدوء لكنها أرادته هدوءا مجانيا، فنكثت بوعودها في منح الفلسطينيين دولة ذات سيادة (كان يفترض أن تقام عام 1998)، وارتدت إلى التفكير في أنماط أخرى تتيح في النهاية حكما ذاتيا للفلسطينيين في إطار العباءة الإسرائيلية، وهو ما دفع عرفات إلى نفض الغبار عن خيار المقاومة، وإعادة الاعتبار له مرة أخرى.
حق المقاومة ليس لعبة لأحد، وإنما هو حق طبيعي لأي شعب تحت الاحتلال بموجب القوانين الدولية، وهو ينبغي أن يظل خارج المناكفات بين فتح وحماس، وخارج لعبة الاعتدال والتطرف، كما أن الاعتدال لا يعني التنازل عن الحقوق وإهدار أوراق التفاوض بلا ثمن.
ويبقى السؤال.. مقابل ماذا يسقط الرئيس محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض المقاومة من برنامجهما السياسي؟ هل يظن أن إفراج إسرائيل عن 250 أسيرا توشك محكوميات أغلبهم على الانتهاء، ورد جزء يسير من أموال الفلسطينيين المحتجزة لدى الاحتلال، هما بوادر تفضل وكرم إسرائيلي ينبغي أن يقابل بالمثل، أم نوعا من الفتات لم يكن يجب أن يخضع للمساومة؟
مشكلة الفلسطينيين أنهم جزء من عالم عربي لا يفرق بين الحقوق الشخصية والحقوق العامة للأوطان، فالحق الشخصي شأن صاحبه إن شاء أصر عليه، وإن شاء تنازل عنه. لكن معظم السياسيين العرب يتنازلون عن أشياء لا يملكونها بمنطق أبوي بائد، كان يصلح للقرون الوسطى، أما اليوم فهناك استفتاءات واستطلاعات رأي ومؤسسات عديدة تشارك في صنع القرار، لم يعد هناك مكان (شديد الاحترام) للشخصية الكاريزمية ولا الشخصية المغامرة، بل تحولت إلى شخصيات كرتونية مكانها المتاحف، لكن عالمنا العربي يصر حتى اليوم أن نعيش بشكل متحفي.
ليس هناك عربي واحد لا يتمنى أن يصحو من نومه ليجد القضية الفلسطينية قد تم حلها واللاجئين قد عادوا، لكن السير على جسر الاستربتيز لا يمثل الطريقة الملائمة للوصول إلى هدف الدولة الفلسطينية الحرة، فإسرائيل قادرة على المماحكة والتفاوض ألف عام حول قضية يمكن حلها في خمس دقائق.