لا يظهر في الأفق القريب أن هناك حلاً وشيكاً لقضية الجاسوس الروسي المنشق الكسندر ليفينينكو الذي تم اغتياله في العاصمة البريطانية العام الماضي، بعد التدهور الخطير الذي جرى في العلاقات بين روسيا والمملكة المتحدة حيث عمدت شرطة سكتلنديارد إلى طرد أربعة دبلوماسيين روس ما لم تسلم روسيا الرجل المتهم بالاغتيال، مما اضطر موسكو إلى الرد على الاجراء بالمثل وقامت بطرد اربعة دبلوماسيين بريطانيين وهددت بوقف التعاون مع دول الاتحاد الاوروبي في الحرب المعلنة على الإرهاب.

بالرغم من اعتراف موسكو بأن المتهم اندريه لوغوفوي هو مشتبه به في القضية، إلا أن الدستور الروسي لا يسمح بتسليم مواطنين إلى دولة أخرى، لمحاكمتهم بقضية جرمية كالاغتيال وسواها، كما أن المتهم هو جاسوس روسي سابق، انتقل إلى عالم الأعمال وأصبح واحداً من كبار رجال الأعمال على مستوى روسيا والعالم، فيما تصر لندن على محاكمة المتهم اندريه لوغوفوي على اراضيها لأن الجاسوس المقتول كان قد حصل على حق اللجوء في بريطانيا منذ العام 2000، وتم اغتياله عن طريق السم الذي وضع في كوب شاي في احد الفنادق اللندنية التي كان يرتادها.

بانتظار أن يتم التوصل إلى حل لغز هذه الحبكة البوليسية والمعقدة لهذه القضية، فإن الضغوط الأوروبية تساهم باحراج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يستعد لتسليم مقاليد الحكم في نهاية مارس المقبل، فالمواقف التي صدرت من باريس ورئاسة الاتحاد الأوروبي ومن واشنطن تزيد من شعبية الرجل الذي يستعد للخروج من الكرملين فقد ظهرت استطلاعات رأي داخل روسيا تطالب بوتين باعادة انتخابه لولاية ثالثة ويعتبر واحدا من أهم الرؤساء الذين حكموا الدولة الروسية بحكمة واقتدار.

وفيما تميل التقديرات إلى اختيار صديقه المقرب ونائبه الأول سيرغي ايفانوف لرئاسة روسيا، إلا أن الترجيحات تتنبأ بأن يتم إعادة سيناريو متطور لبوتين مع يلتسين حيث تنازل عن الرئاسة ولكن احتفظ لنفسه بمكتب في الكرملين في مطلع ولايته الأولى، ولهذا يعتقد بعض المراقبين انه اذا لم يتم ترشيحه لولاية ثالثة فسوف يتم استحداث تشريع معين لتسليمه رئاسة الحكومة مع بعض صلاحيات موسعة او تسليمه رئاسة الأمن القومي بعد استقالة رئيسه بتهمة الفساد وسوء استخدام السلطة.

وهنالك اقتراح ثالث وظريف وهو انه من المتوقع ان يتسلم رئاسة اللجنة الأوليمبية التي رصد لها ميزانية قدرها 16 مليار دولار لإقامة منشآت رياضية عملاقة في القوقاز تمهيدا لاستقبال الالعاب الاوليمبية في العام 2014 او تسليمه رئاسة شركة غازبروم الضخمة المتخصصة بشؤون الطاقة.

ولكن الرجل الذي تعتبره روسيا ناجحا في إدارة شؤونها يعاني من حصار دولي هدفه كسر الطموحات الامبراطورية التي تدغدغ خيال بوتين، فبعد ان تم ادخال استونيا وليتوانيا وبقية دول بحر البلطيق إلى معسكر الناتو يتم السعي حاليا لضم اوكرانيا واوزبكستان وبقية الدول المجاورة الى هذا التجمع بحيث يتم احكام الطوق كاملاً على روسيا وجاءت قضية نشر الدرع الصاروخية في بولندا من قبل الإدارة الأميركية والرادارات المتطورة في تشيكيا لتعطل تماما قوة الردع التي تمتلكها موسكو.

ولتجعل هذه الدولة بعد سحب دول الجوار من نفوذها في حالة استفراد وتحت رحمة الادارة الاميركية التي تسعى لنزع آخر معلم قوة لهذه الدولة، وقد اتت قضية اثارة الجاسوس المنشق ليفينينكو لتضع كل ثقلها على رأس الرجل في محاولة واضحة لابتزازه وسحب كل مقومات القوة من يديه، بعد ان قدم الكثير من التنازلات على المستوى الاقليمي والدولي وفي قضايا ساخنة كالملف النووي الايراني واحباط مبادرة بوتين بخصوص القضية الفلسطينية التي دعا إليها العام الماضي.

يحاول بوتين مواجهة الضغوط التي تتصاعد ضده بخطة معاكسة حيث بدأ يساوم في قضية استقلال كوسوفو وتحويلها الى دولة، لكن أمله ضعيف، كما حاول الضغط في قضية الطاقة ونقل الغاز عبر الاراضي الروسية من اوكرانيا وسواها لكن الإدارة الاميركية لجأت الى خيار آخر حيث استطاعت استبدال خيارات جديدة من خارج الاراضي الروسية ولذلك فإن كل المحاولات التي قام بها بوتين قد سقطت برمتها. ولم يعد أمامه سوى الاستمرار بمناوراته الناجحة التي استطاع من خلالها استيعاب كل الصدمات التي واجهته وذلك على طريقة «لا تكن لينا فتعصر ولا يابسا فتكسر» وهو خيار أهون الشرور كما يقال..