بعد مسلسل الحروب المفتعلة والحرائق المشتعلة في المنطقة، والمآسي المرعبة التي نتجت عنها، هناك من يبشرك ببرود أعصاب بأن حرباً وشيكة الوقوع، وأن الحرب باتت حاجة ملحة لأطراف النزاع بعد انسداد أفق الحل السلمي، فكأنما صناعة الحروب أصبحت تشبه لعبة الكترونية يمارسها البعض للتسلية والتسرية عن النفس.

منذ انتهاء العدوان الإسرائيلي الفاشل على لبنان، وإسرائيل تعلن بين الفينة والفينة عن مناورات عسكرية ضخمة في الجولان أو في صحراء النقب أو في تل أبيب نفسها، وتبرر هذه المناورات بأنها تأتي في سياق التجهيز الروتيني لتدريبات الجيش الإسرائيلي، لكن التسريبات التي كان يتولاها بعض من الصحافة الإسرائيلية تنفي وتدحض كل هذه المبررات، وتؤكد أن هذه الدولة، تسير إلى الحرب بخطى وئيدة، ولا تحتاج إلى الكثير من التخمين والاستنتاج.

الثابت والأكيد أن الطرف الإسرائيلي يقرع طبول الحرب ويتحين الفرصة المناسبة لاستعادة هيبة الجيش الذي لا يقهر، وهذا ما عبّر عنه إيهود باراك وزير الدفاع الذي تم ترتيب عودته إلى زعامة حزب العمل لكي يكون خلفاً لعامير بيريتس في الوزارة التي فشل فيها فشلاً ذريعاً، بأن مهمته الحالية هي إعادة هيبة الردع لهذا الجيش الذي انهزم في مواجهات يوليو الماضي مع المقاومة اللبنانية،.

كما ليس خافياً فإن نشوء مجموعة من الضباط داخل الجيش الصهيوني تدعو علناً للثأر على رأس هذه المجموعة رئيس الأركان غابي اشكنازي نفسه الذي يقال عنه، إنه واحد من الصقور المتعطشة لهذا الأمر في أقرب وقت، وانه يبذل جهداً خارقاً وغير مسبوق لتأمين هذا الهدف.

ما من شك أن التحضيرات الجارية على كل الجبهات، خصوصاً السورية الإسرائيلية، ظاهرة للعلن. وقد استوقف المراقبين العسكريين الإسرائيليين عدد من الإجراءات التي قام بها الجيش السوري في الأشهر الأخيرة على الجبهة، حيث عمد إلى رفع عدد من الحواجز العسكرية الثابتة والتاريخية من داخل منطقة الجولان معطوفة على حركة تموضع ضخمة للجيش السوري على طول خطوط المواجهة، كما يتهم الإسرائيليون سوريا أنها تقيم مدناً ضخمة تحت الأرض لمنصات الصواريخ المتطورة، ما يعطي مؤشراً واضحاً على مسار الأمور.

هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار كلام الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب تجديد ولايته الذي يقول فيه إن الأشهر المقبلة تحمل الكثير من المفاجآت، وانها سترسم مستقبل المنطقة، مشترطاً الحوار مع إسرائيل لإقامة سلام حقيقي وتعهدا واضحا وموقعا من المسؤولين الإسرائيليين يتخطى وديعة رابين للمباشرة في هذا الحوار. كما ان الرئيس الإيراني كان واضحاً عند وصوله إلى العاصمة السورية للمباركة للرئيس الأسد بانتخابه لولاية ثانية أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون ساخنة.

إذ ما بين أشهر فاصلة وأشهر ساخنة خط واحد يجمع بين كل هذه الخطوط، مع العلم أن قطار المفاوضات خلف الأبواب بين الأطراف المتنازعة لم يتوقف، وهنالك تبادل للأفكار، فالوفود الأميركية والأوروبية لم تتوقف بالوصول إلى العاصمة السورية، كما ان مسار التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين في العراق ختم جولته الثانية على مستوى السفراء، وهذا في علم السياسة ليس بأمر قليل.

الواضح أن الجميع يمسك أوراقاً للمساومة والتفاوض. والوصول إلى حلول مشتركة يقتضي تنازلاً ما، وهذا التنازل لن يتم إلا بالحروب، والأرجح كما يقول البعض أن يكون لبنان هو المسرح التقليدي لهذه المواجهة مع استبعاد توسيع هذه الحرب على مستوى إقليمي، أي استدراج سوريا لهذه الحرب، لأن دخول سوريا الحرب، هذا يعني أن إيران ستقف إلى جانب حليفها الاستراتيجي بالرغم من الأحاديث المنتشرة عن تمايزات موجودة بين الحليفين.

ولكن الأكيد أن زيارة نجاد إلى دمشق دحضت كل هذه الشائعات. لهذا فإن أحد قادة المقاومة اللبنانية كان واضحاً منذ أيام عندما قال «إننا أنجزنا استعدادنا للحرب قبل أن يختتموا استعدادهم في إسرائيل»، هذا يعني بالكلام السياسي، إذا أضفنا إليه كلام قائد المقاومة أنها تمتلك صواريخ تطال كل زاوية في إسرائيل، يعني أمراً واحداً أن المفاوضات ما زالت تدور في المناطق الرمادية، وأن إسرائيل لن تجلس إلى طاولة التفاوض إلا قبل إعادة هيبة الردع لجيشها، كما قال باراك.

ومن الآن وحتى يتحقق هذا الهدف للإسرائيليين، فإن الصيف شارف على منتصفه، بأحلامه الساخنة.