من المتعارف عليه في الحياة اليومية أنه عندما يصبح شخص ما سواء بالانتخاب أو بالتعيين رئيس قسم أو مديراً أو وزيراً لأول مرة، يبدأ صباح يومه الثاني بدوام مبكر جداً حتى قبل وصول الفراشين، ويبدأ بعد ذلك بتفريغ كامل شحنات طاقاته الكامنة في منصبه الجديد.
وإذا به شعلة من النشاط المتوقد، فيقوم بإعلان أفكاره وتوجهاته الجديدة ويصدر القرارات الثورية ويدعو للاجتماعات المطولة ويغيّر ويبدل ويثير زوبعة من الغبار من حوله، ثم بعد مرور سنة واحدة لا نسمع عنه شيئا وربما كان آخر من يصل إلى مكتبه أو قد لا يأتي بتاتا!
وينطبق الأمر نفسه على رؤساء العالم. فمثلا، الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي استلم مفاتيح قصر الإليزيه منذ شهرين تقريباً، بدأ رئاسته بنشاط وحيوية نادرين وظهور إعلامي ومبادرات وزيارات رسمية مكثفة، وكأنه يطمح إلى تغيير حال العالم المتردي في أقل من شهر واحد!
بل حتى زوجته سيسليا ساركوزي قد وصل إليها فيروس حماس زوجها. فإذا هي تقوم بزيارة غير متوقعة (ودون تخويل رسمي) إلى ليبيا تعبيرا عن مواقفها الإنسانية كأنثى وكأم ومربية تجاه الممرضات البلغاريات الطيبات المظلومات اللاتي بكل رحمة وعطف نقلن فيروس الإيدز القاتل إلى أكثر من 400 طفل ليبي لا يساوون جميعا في نظر الغرب المتحضر والديمقراطي ظفر طفل أوروبي ينام في أحضان والدته! وقد انتقدت معظم الصحف الفرنسية هذا الدور الذي بدأت تلعبه زوجة الرئيس في فرنسا على أنه خارج على العادات والأعراف الفرنسية.
إنه شبه تقليد لدور سيدة البيت الأبيض في الولايات المتحدة الأميركية. فالتشابه بين شخصية الرئيس ساركوزي والرئيس بوش لا يحتاج إلى كثير من التحليل. ولهذا السبب اتهمه البعض بتقمص شخصية ليست على مقاسه ووزنه!
فالرئيس ساركوزي وصل إلى قصر الإليزيه بفارق ضئيل جدا بينه وبين منافسته سيجولين رويال (بفارق 6% فقط)، تماما كما حصل للرئيس بوش الذي حصل على كرسي الرئاسة في انتخابات 2000 بفارق خمسة أصوات فقط!! بينه وبين آل غور... ليصبح أول رئيس للولايات المتحدة بدون أغلبية تذكر...
ويبدو أن هناك تشابها بين الرئيسين في مواصفات أخرى، أو ربما أراد ساركوزي أن يصبح شخصية عالمية وبطلا قوميا على خطى الرئيس بوش في كافة المجالات الداخلية والخارجية. وقد أعلنها (بعظمة لسانه) بأن عهد الزعماء الفرنسيين القدامى قد ولى وأن فرنسا ذاهبة إلى عهد جديد مخالف باتجاه وخلف الولايات المتحدة الأميركية...
وقد أخذ عليه بعض المحللين هذا الاتجاه بأنه ليس فقط تنازلا عن مكانة فرنسا الحيادية التاريخية في العالم والتزامها الدبلوماسية حيال القضايا الحساسة كالإرهاب والحروب الاستباقية والعنف لما يمثله موقع فرنسا الجغرافي، بل لعدم أخذه العبرة من تجربة توني بلير الذي خسر شعبيته ومصداقيته ووسام البطولة لأنه زج بكل ثقله للتعلق بأذناب الولايات المتحدة الأميركية (إلى درجة أن المغني البريطاني الأصل جورج مايكل صوره في إحدى أغانيه الساخرة التي اشتهرت على مستوى عالمي على أنه كلب تابع للرئيس بوش).
وبوش هو نفسه أيضا أراد منذ دخوله البيت الأبيض أن يصبح بطلا قوميا وشخصية تاريخية نادرة بظنه أنه قادر على السيطرة على مقدرات العالم بأكمله، غير أن الأمور انقلبت عليه في النهاية لينكشف للعالم بأسره بأن العملية الكبرى التي قام بها في العراق بهدف اقتناص ذلك الوسام التاريخي النادر وتحقيق هيمنة الولايات المتحدة على الكرة الأرضية شرقا وغربا .
ومقدراتها لم تكن سوى كذبة باهتة مفبركة ضد رئيس عربي منتهية صلاحيته كصدام حسين، واتضح أن الولايات المتحدة بكل ما تملك من أسلحة متقدمة لا تستطيع حتى هذه اللحظة إحراز أي انتصار على فرقة صغيرة تستخدم أسلحة تقليدية جدا تدعى: تنظيم القاعدة.
وهكذا يخطط الرئيس الفرنسي الجديد، منذ توليه منصب الرئاسة بل منذ بداية الحملات الانتخابية، لإدخال فرنسا ذات اللوحات الفنية الكلاسيكية والأدب الرومانسي وفلسفة الشك والعطور الحالمة والأزياء الراقية، في عالم المال والبورصات واختراعات العولمة وأدب الوجبات السريعة والجينز والهيمنة الاستراتيجية.
وبالطبع لن يكون ذلك ممكنا دون الاستعانة بأبواق الإعلام الرنانة واتخاذ الخطوات الجريئة والقيام بالإنجازات الهوليوودية التي تتميز بالإثارة. وأول إنجازاته الإعلامية غير المسبوقة الزيارة التاريخية التي قام بها إلى ليبيا. المهمة: إنقاذ الممرضات البلغاريات من تطبيق العدالة عليهن! ولم يذهب ساركوزي إلى ليبيا إلا بعد أن أكد له مستشاروه طيبة قلوب الشعوب العربية المغلوبة على أمرها.
فقد نسي الشعب الليبي ما لحق به من حصار ودمار اقتصادي وبشري وعسكري ونفسي طال عشرات السنوات المتواصلة نتيجة لتفجير طائرة البان أميركان على لوكربي ونسي كذلك الثمن الباهظ الذي دفعه والذي بلغ 7, 2 مليار دولار عدا ونقدا كتعويض للعائلات المتضررة لتهمة لم تثبت تورط النظام الليبي فيها، وإنما مورست فيها كافة الضغوط لتقديم اعترافات يجوز أن يكون قد تم الحصول عليها تحت الإكراه. ونجح ساركوزي في مهمته. وهذا هو هدفه الأول؛ إثبات أن هذا الرئيس غير المجرب قادر على تحقيق ما لم يحققه الآخرون أصحاب الخبرة.
وفعلا تم الإفراج عن الممرضات الخمس وحتى الطبيب الفلسطيني الذي حصل على الجنسية البلغارية، ووصل الجميع إلى صوفيا في أمن وسلام. أما فيما يتعلق بالقضايا الأخرى كإبرام صفقات تجارية واقتصادية بين ليبيا وفرنسا، فهذه أمور لا تعدو كونها مكملة لطموحات هذا الرئيس الجديد الذي يخطط لاستلام زمام الهيمنة على الشرق الأوسط وافريقيا.
وربما لاحقا دول أخرى قد تراها فرنسا استراتيجيه لطموحات رئيسها الجديد، خاصة بعد أن تقلص دور الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا في المنطقة نتيجة شنهما الحرب على العراق وما آلت إليه تلك الحرب، بل وربما لعبت فرنسا ساركوزي دورا أوسع في العالم ككل قبل أن يصحو مارد روسيا الذي بدأ يتململ من سباته الشتوي الطويل.
وبالفعل، وكسبا للوقت أراد ساركوزي أن يلعب دور الوسيط في الأزمة اللبنانية الراهنة، وقام بزيارة الجزائر وأعلن رأيه الأميركي في أزمة دارفور، والآن يجول في بعض دول افريقيا... لتذكير هذه الدول بأنها ما زالت شبه مستعمرات فرنسية وعليها أن لا تنسى ذلك... ويعطي إشاراته إلى إيران من هنا وإلى حماس من هناك، بكل ثقة وحماس.
لكن ما قد يساعد ساركوزي مؤقتا على تحقيق أحلامه هو اختياره للمناطق المتألمة من العالم التي تعيش حالة نزيف مستمر، أو تلك التي تمر بحالة اصطدام داخلي أو ضغوط دولية. غير أنه سرعان ما سيستفيق من نشوة الكرسي والحاكم الجديد ذي الآمال العريضة، على مواجهة جديدة وقاسية مع نفس العناصر التي واجهتها الولايات المتحدة الأميركية أثناء تطبيق سياسة الهيمنة على الشعوب المستضعفة، خاصة .
وأن هذه العناصر قد اكتسبت خبرة ممتازة في عملية اكتشاف المخططات الدولية وفي كيفية الكر والفر. وكان الأجدر به دراسة مذكرات وملاحظات ونصائح من سبقوه في حكم فرنسا، قبل أن يدخلها في ثقب الشرق (الأسود) الذي يبتلع كل من يقترب منه.
هناك دوائر حمر ومربعات محظورة، رسمتها أوضاع المنطقة، وفهمتها السياسة الاستعمارية الأوروبية منذ زمن طويل وبالخصوص الفرنسية منذ خروجها من الجزائر في عهد الجنرال شارل ديغول.
ورئيس فرنسا الحالي لا شك سيصطدم بها إذا ما حاول مجرد التفكير في الاقتراب من هذه الرسوم الهندسية المعقدة. خاصة وأن فرنسا إلى هذه اللحظة لا تملك حتى ربع القوة العسكرية التي تملكها الولايات المتحدة الأميركية، وليس لديها الإمكانيات الدبلوماسية اللازمة التي تؤهلها للتحكم في أوضاع وتقلبات المنطقة.
لذا فتحركات الرئيس ساركوزي بهذا الاندفاع قد تفهم بشكل خاطئ لدى البعض المتشدد تجاه الدول الغربية وسياستها القائمة على الهيمنة والاستخفاف بالشعوب الضعيفة. والدليل على ذلك البيان الذي قام بتوزيعه أهالي وعائلات الأطفال الليبيين المصابين بمرض الإيدز الذين اعتبروا أن العفو عن الممرضات يعتبر استخفافا وعبثا ولا يخدم إلا الإرهاب ويؤكد صدق قول زعيم تنظيم القاعدة عن استهتار الغرب بدماء المسلمين، وطالبوا الانتربول بالقبض على المتهمين لأخذ جزائهم الذي قررته المحكمة وهو السجن المؤبد بدل عن الإعدام.
وبالطبع فقد دخل الرئيس ساركوزي وزوجته سيسليا في دائرة تفكير الشعب الليبي الذي امتد إلى شعوب المنطقة برمتها منذ تلك اللحظة من هذا المنطلق، بأنهما بذلا كل ما بوسعهما لإنقاذ أرواح خمسة قتلة أوروبيين مسيحيين والتغاضي عن أرواح 400 من الأطفال العرب المسلمين الأبرياء. وهي بداية لا نحسد لا ساركوزي ولا زوجته عليها، حتى ولو تظاهرا بتحقيق نصر.
فهل تهدأ حماسة الرئيس الفرنسي المنتخب بعد مرور سنة على دخوله قصر الإليزيه ويصبح آخر من يهتم بهموم لبنان وسوريا وليبيا والمغرب والسودان وإيران وفلسطين وحزب الله وحماس واليمن والعراق وأفغانستان والإرهاب والطائفية في الشرق الأوسط؟
هذا السؤال يجب طرحه على الرئيس السابق جاك شيراك... فهو أكثر رؤساء العالم فهماً لتركيبة المنطقة المعقدة من أولها إلى آخرها.
جامعة الإمارات