يظن كثير من الناس أن «حنّابعل» أو «هانيبال» هو سفاح من مجرمي التاريخ المتوحشين، إلا أن هذا التصور الخاطئ هو نتيجة لمبالغات بعض المؤرخين ـ وخصوصاً الأوروبيين ـ الذين صوروه في صورة مغايرة تماماً للحقيقة. فلقد كان «حنّابعل» قائداً محنّكاً ومتواضعاً في نفس الوقت، فلم تكن خيمته تختلف عن خيام جنوده، ولم يكن يلبس حلّة خاصة به خلال المعركة، وإنما تجده رثّ الثياب أغبر الوجه حاله في ذلك حال أي فرد من جنوده.
ويذكر التاريخ أن «حنابعل» عبر بجنوده البحر الأبيض المتوسط بواسطة سفنه الحربية التي كانت إحدى ركائز القوة التي قامت عليها مملكة «قرطاج» في شمال إفريقيا، وخاض بجيشه الجرار الذي تقدمته الفيلة جبال الألب، حتى فاجأ الرومان الذين كانوا قد أغلقوا جميع الطرق المؤدية إلى مملكتهم ولم يتوقعوا أن يروا جيشاً بأكمله يهبط عليهم من قمم الجبال، ولذلك استطاع «حنابعل» على الرغم من موت أكثر من ثلث جنوده خلال الرحلة التغلب على جيش روما الذي فاق جيش قرطاج عدداً وعدة بثلاث مرات على الأقل.
وفي يوم من الأيام ضلت سفينتان حربيتان من سفن «حنابعل» طريقهما في الضباب فرستا على أحد شواطئ الإمبراطورية الرومانية، فقام الروم على الفور بالاستيلاء على السفينتين وفككوهما ليعرفوا كيف صنعتا، ولحسن حظهم كانت جميع أجزاء السفن القرطاجية ـ حسب معايير صناعة قرطاج - مرقمة بطريقة دقيقة جداً لتسهيل عملية تصنيع السفن.
وخلال شهرين من تلك الحادثة استطاعت روما أن تصنع 120 سفينة حربية مما أعطاها أفضلية على قرطاج، وكان ذلك أحد أسباب تغلبها على القرطاجيين بل وعلى ما جاورها من ممالك، وأصبحت روما ملكة البحار لعقود من الزمن.
وبعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وتحولها إلى محمية أميركية، أراد الجنرال «ماك آرثر» أن يجعل من اليابان ولاية أميركية تكون شوكة في خاصرة الصين وروسيا، فشجع الصناعة التي بدأها اليابانيون لتعزية أنفسهم وتسليتها بعد الهزيمة التي حلت بهم، ودعا عالمين أميركيين من عمالقة علم الجودة هما «جوزيف جوران» و«وليام ديمنج» اللذان ساهما بشكل كبير في وضع معايير للجودة في الإدارة والصناعة اليابانية.
وفي نفس الوقت كان اليابانيون يشترون السلع الأميركية ويفككونها ويعيدون تركيبها مرة ثانية ليتعلموا كيف تعمل، وهو مصطلح عرف لاحقاً «بالهندسة المعكوسة» أو «reverse engineering» حيث مكنت هذه الطريقة اليابانيين من إعادة تركيب الأجهزة، ولكن بعد إدخال تغييرات طفيفة عليها.
ولقد كان لديمنج على الأخص دور محوري في تطوير الصناعة اليابانية، ولا نبالغ إن قلنا إن أحد أسباب قوة اليابان الاقتصادية اليوم وتميزها الصناعي هو قيام ديمنج بتعزيز فكر الجودة لدى جميع العاملين اليابانيين، فلقد كان يدعو إلى محاضراته التي كان يلقيها بشكل مطرد في طوكيو الموظفين والمديرين التنفيذيين والمهندسين والباحثين وكل من له علاقة بالصناعة.
فبدأت الشركات والمصانع اليابانية بتأسيس إدارات خاصة بالجودة. وقام اليابانيون بدمج أنظمة الجودة التي تعلموها مع عمليات إعادة تصنيع البضائع الأميركية، بدءاً بالغسالات وانتهاءً بعربات القطار حتى يكون لديهم نموذج صناعي خاص بهم. وتقديراً لجهود ديمنج قام اليابانيون بتأسيس «جائزة ديمنج للجودة» لتكريم الشركات المتميزة في تطبيق معاير الجودة الكلية وتلك التي تقدم مساهمات جديدة في هذا المجال.
وقبل عدة أشهر أخبرني صديق لي يعمل في أحد مصانع مدينة «برمنجهام» البريطانية أن الأسواق الأوروبية تعاني من (فيضان) البضائع الصينية، حيث تبلغ قيمة قلم الرصاص البريطاني على سبيل المثال قيمة عشرة أقلام رصاص صينية، وعلى الرغم من أن جودة المنتجات الصينية ما زالت متدنية إلا أنه لا أحد في حاجة إلى قلم رصاص لا ينكسر، لذلك بدأت هذه المنتجات الصينية بأخذ مكانها على أرفف المحلات الأوروبية بشكل سريع جداً.
ويقول صديقي إن البضائع الصينية قد أضافت مفهوماً جديداً لدى المستهلك الأوروبي، أو العالمي، فعندما يرى المستهلك أن سعر البضائع الصينية أقل بكثير من نظيراتها الأوروبية أو الأميركية أو حتى اليابانية، فإنه يفضل أن يشتري منتجاً صينياً ويستبدله بواحد جديد كل سنة على أن يشتري منتجاً عالي الجودة ويبقيه عنده خمس سنوات أو أكثر.
وللحد من خسائر البضائع الأوروبية قامت بعض الدول بفرض معايير خاصة بالأمن والسلامة والجودة على البضائع المستوردة، وفي حال عدم التزام الجهات المصنعة لهذه المعايير فإنها لا تعطى إذناً للبيع في الدول الأوروبية، فقامت الصين بتأسيس وزارة خاصة بالجودة وبدأت بتطبيق تلك المعايير على جميع مصانعها المصدرة إلى الخارج، بل وقامت الحكومة الصينية بمنح المصانع مساعدات مالية وتسهيلات حكومية إن هي زادت في تصديرها إلى الخارج.
وقبل عدة أشهر أيضاً افتتح معرض للهندسة المعكوسة في إحدى المدن الصينية، وتفاجأ العالم عندما رأى نماذج لسيارات عالمية مثل أودي ومرسيدس وغيرها وقد أعيد تصنيعها في الصين، وكان بجانب كل سيارة صينية سيارة أصلية وطلب من الحضور التمييز بينهما فلم يستطيعوا، وكانت تلك رسالة صينية إلى العالم ببدء العد التنازلي لاعتلاء الصناعة الصينية قائمة الصناعة العالمية.
لقد كانت البضائع اليابانية في يوم من الأيام رديئة جداً وكانت سمعتها أسوأ من سمعة البضائع الصينية اليوم، إلا أن اليابانيين استمروا في تطوير أنظمتهم حتى أصبحت بضائعهم مثالاً للجودة العالمية. وبالنسبة للصين فإنها تنفرد بغزارة الإنتاج وبسوق محلي كبير يستوعب فائض ذلك الإنتاج، أضف إلى ذلك أن العدد الكبير للسكان الذين يعملون بأجور زهيدة وعلى مدار الساعة جعل المصانع الصينية تعمل ليل نهار دون توقف... ودون ملل أو كلل أيضاً.
كنت في محاضرة للكاتب الأميركي «توماس فريدمان» حيث كان يتحدث عن بدء تغير النظام العالمي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وذكر أنه مهما قيل عن عدم قدرة الصين على النهوض فإنها ماضية في طريق قلب موازين القوى العالمية... وقال قبل أن يختم حديثه: «لقد بدأ الأميركان تعليم أبنائهم اللغة الصينية، لأنهم يعرفون أنها لغة المستقبل».
باحث إماراتي