عندما نقلت صحيفة يديعوت أحرنوت عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين أنهم لو كانوا يعلمون أن السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله سيذهب إلى العاصمة السورية لمقابلة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، فإن إسرائيل لن تتوانى عن قتله أو خطفه، لم يظهر أي صوت في لبنان يستنكر هذا الخبر المفتعل، على اعتبار أن الرجل على رأس تيار سياسي كبير لا أحد يشك بأهميته وتأثيره على الساحة.
ولكن الغريب أن الأمين العام لحزب الله عندما أعلن في حديثه لـ «الجزيرة» منذ أيام أن المقاومة تمتلك صواريخ يصل مداها إلى عموم إسرائيل، قامت ضجة كبيرة تستنكر هذا الكلام وهذه التصريحات وتعتبره مضراً بلبنان وبمصلحته الوطنية.
هذا الأمر يدخل في سياق غرائب العمل السياسي في لبنان، الذي يشبه إلى حد ما قضية ترشح الرئيس أمين الجميل للانتخابات النيابية، إذ يتبادر إلى البال فوراً سؤال بريء وبديهي وهو: ما الذي يمكن أن يضيفه الفوز بمقعد نيابي لرجل أصبح رئيساً للجمهورية حقق فيه كل أحلامه على اعتبار أن موقع رئاسة الجمهورية أقصى طموح يمكن أن يحصل عليه إنسان يعمل في الحقل السياسي؟
يجيب عن هذا السؤال الرئيس الجميل نفسه على تلفزيون «الجزيرة»، حيث يؤكد أن هذا المقعد النيابي تاريخياً كان لآل الجميل منذ أربعين عاماً وهو مضطر أن يترشح إلى هذا المقعد للحفاظ على هذا الإرث الذي تناوب عليه خاله ووالده، وهو نفسه شغل هذا المنصب قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية، ثم نجله الشهيد بيار الجميل.
لا يملك الإنسان إلا أن يتعاطف مع مشاعر الرجل الذي فَقَد ولده وهو في عز عطائه بطريقة وحشية وفي وضح النهار، ولا بد من إظهار كل وسائل المواساة لهذا الرجل بخسارة فلذة كبده، لأن الولد سر أبيه كما يقال في الأمثال، ولكن يبقى السؤال إذا كان كل إنسان يريد أن يحافظ على إرث عائلته في مجلس النواب، فبالتأكيد لم تعد هنالك لعبة ديمقراطية، ويصبح البلد الذي يتغنى بالديمقراطية والحرية، بلداً يعمل بمبدأ التوريث، وهذا ما لا يمكن أن يحصل في لبنان بعد عشرات السنين من العمل الديمقراطي .
ثقيلة جداً مهمة الرئيس أمين الجميل الذي خاض معركة شرسة منذ عودته من باريس بعد غياب استمر أكثر من عشرة أعوام لاستعادة حزب والده، حزب الكتائب، وها هو اليوم يضطر متنازلاً أن يخوض معركة انتخابات نيابية بديلاً عن نجله، للحفاظ على إرث عائلته في هذا المقعد تمهيداً لإعادة ترشحه لرئاسة الجمهورية مرة ثانية لعله يستطيع أن يصلح ما أفسده الدهر خلال عهده الأول الذي كان مليئاً بالأحلام والوعود، ولكنه انتهى مليئاً بالحروب الكبيرة والصغيرة.
في متن النص أيضاً ومن الغرائب الحميدة التي يمتاز بها لبنان، وخلف هذا الصخب الذي لا ينتهي في كل الحقول وفي كل الميادين، البعض سماه ميزة اللبناني وحيويته ولكن جبران خليل جبران قال لهم منذ أكثر من مئة عام «لكم لبنانكم ولي لبناني»، واصلاً إلى حد الكفر بهذا اللبنان المليء بالصخب الذي يطحن الأعصاب، وبالتفاصيل الصغيرة التي ترفع دائماً إلى مقام المقدسات والمحرمات.
لهذا خرج هذا الأديب المبدع إلى غير رجعة من بلاد الأرز حاملاً همومه، وإبداعه إلى بلاد تقدر الإبداع، وها هو صاحب «الأجنحة المتكسرة» و«النبي» تباع كتبه بالملايين في بلاد الله الواسعة، ويأخذون بأفكاره المنيرة، إلا في بلاده، التي ما زالت كما هي بلا تغيير متحصنة بأفكار تقليدية أوصلته خلال خمسين عاماً إلى ثلاثة حروب أهلية ومذهبية هدمت إنسانه وبنيانه، وازدهرت في بلاد جبران نظرية القتل والتصفيات الجسدية بلا رادع وتحت عنوان الحفاظ على الإرث والتقليد.
من خارج النص، ولكن أيضاً في متنه وصلبه، يدخل لبنان عالم الغرائب الملفتة، أن «تشرق شمس الحق» وتحمل الفنانة المبدعة جوليا بطرس ابنة الجنوب هموم المقاومة وتنشد لها من أعماقها ترحل جنوباً مع «أحبائها» في بنت جبيل وصور والنبطية، في وقت تخلى فيه كل المبدعين عن مواقعهم وواجباتهم تجاه أنفسهم وتجاه مستقبلهم.
جوليا بطرس كسرت القاعدة وأعلنت خياراتها ووقفت إلى جانب المقاومة، وكانت صوتها إلى المنطقة والعالم، وربما كانت استثناء أن تحمل صوتها وتجمع ثلاثة ملايين دولار لعائلات شهداء المقاومة والجيش اللبناني. رغم غرائب لبنان والمرحلة، تبقى جوليا بطرس استثناء وحالة تستحق التقدير والاحترام، وبمثل جوليا بطرس نبقى أكثر تفاؤلاً من جبران خليل جبران بهذا البلد الجميل.