مما لا شك فيه أن منطقة الخليج العربي تشكل بالنسبة لروسيا أهمية كبيرة بحكم قربها الجغرافي منها وبحكم غنى المنطقة بمصادر الطاقة وكثرة الأطماع الأجنبية فيها وخاصة الأميركية، ولهذا نجد أن موسكو دائما تسعى لتوطيد علاقاتها بجميع دول الخليج العربي بلا استثناء.
وخاصة الدول المحورية من الناحية الاستراتيجية، وقد انعكس هذا بوضوح في تطور العلاقات الروسية السعودية في الأعوام القليلة الماضية وزيارة الرئيس الروسي بوتين للمملكة في فبراير الماضي والترحيب الكبير الذي قوبل به هناك، كما زار بوتين قطر وينوي زيارة الإمارات في وقت قريب.
ولقد فرضت روسيا نفسها في الأعوام القليلة الماضية على الأوضاع الأمنية في منطقة الخليج العربي، وانعكس هذا بشكل واضح في تطور العلاقات بين روسيا وإيران، وخاصة في المجالين النووي والعسكري، الأمر الذي باتت تأثيراته وانعكاساته واضحة على الساحتين الدولية والإقليمية، كما باتت تداعياته محل اهتمام العديد من الجهات الرسمية والشعبية على الساحة العربية وخاصة في دول الخليج.
على الجانب الإيراني نلاحظ أنه فى الوقت الذي تشتعل فيه أزمة الملف النووي وتتبادل طهران مع واشنطن والغرب الاتهامات، وتدخل تل أبيب على الخط بتهديداتها المباشرة بقصف المواقع النووية الإيرانية، في ظل هذا الغليان قامت موسكو بتوقيع اتفاقية مع طهران في مطلع ديسمبر الماضي تقضي بتزويد روسيا لإيران بعدد 29 منظومة صواريخ من طراز «تور- إم آي»في صفقة قيمتها تزيد عن مليار دولار، وليست هذه هي صفقة السلاح الروسية الوحيدة لإيران حتى الآن، وإن كانت هي الأكبر في نوعيتها وقيمتها منذ عام 2000 وكانت قد باعت لها أسلحة حتى عام 2003 بما تتعدى قيمته نصف مليار دولار.
هذا بخلاف التعاون التقني والفني العسكري بين البلدين والذي لم تعلن تفاصيله بعد، وإن كانت مصادر كثيرة تؤكد وجود قوات روسية تتولى حماية المحطات النووية في إيران، وهو ما كتبت عنه صحيفة صنداى تايم البريطانية في يناير 2006 تقول إنها تلقت معلومات من مصادر أمنية إسرائيلية تفيد بأن إسرائيل تنوي قصف المحطات النووية الإيرانية رغم علمها بوجود المئات من الفنيين والعسكريين الروس فيها.
التعاون العسكري الروسي - الإيراني يطرح بجدية سؤال التوازن الأمني في منطقة الخليج العربي، حيث من الواضح أن روسيا مصممة على تقديم الدعم العسكري لإيران بالشكل الذي ربما قد يرى البعض، وخاصة في واشنطن، أنه يخل بشكل كبير بأمن المنطقة ويجعل من إيران قوة عسكرية متميزة ومؤثرة على جيرانها وواشنطن تقول إن التعاون العسكري الروسي مع إيران يتم معظمه في الخفاء مثل ماحدث في صفقة الصواريخ الأخيرة «تور- إم آي» التي لم يعلن عنها إلا بعد تمامها.
ومثلما سبق أن حدث في صفقة الصواريخ «إسكندر-1» التي كانت تنوي روسيا بيعها لسوريا في العام الماضي لولا علم واشنطن بها قبل تنفيذها وتدخلها المباشر لدى موسكو لإيقافها.
ومن المعروف أن روسيا قد أصبحت في خلال الأعوام الأربعة الماضية من أكبر مصدري السلاح في العالم، وذلك بعد الطفرة الهائلة في أسعار النفط ومصادر الطاقة، والتي ساعدت روسيا إلى حد كبير في دعم مجمعها الصناعي الحربي الذي استعاد توازنه وفاعليته، ودخل في عام 2003 في مرحلة تطوير وتحديث هائلة جعلت التكنولوجيا العسكرية الروسية منافسا قويا لنظيرتها الغربية في الأسواق العالمية.
وحسب تقرير المعهد الدولي لشؤون السلام في ستوكهولم لعام 2005 فإن روسيا أصبحت ثاني أكبر مصدري السلاح في العالم وتنافس الولايات المتحدة بشكل كبير وفي مناطق محددة من العالم مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأميركا اللاتينية، وحسب تصريحات وزارة الدفاع الروسية فإن صادرات روسيا من السلاح تضاعفت في عام 2006 عنها في الأعوام السابقة لتتعدى الخمسة مليارات من الدولارات.
لقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقائه مع قادة أجهزة الأمن والدفاع الروسي في يوليوالماضي قائلا نحن لسنا تجار سلاح نبيعه لمن يريد، وتجارة السلاح لدينا مرتبطة بتوجهات سياستنا الخارجية والتزاماتنا الدولية، وتتم بالتنسيق التام بين وزارتي الخارجية والدفاع معا.
من الواضح أن روسيا تأخذ بعين الاعتبار التوازن الإقليمي عند تصديرها للسلاح، وتسعى لعدم الإخلال بهذا التوازن لحساب طرف على الطرف الآخر حتى ولو كان من أصدقائها، ورغم أن سوق الشرق الأوسط هي الأكثر إغراءً إلا أن روسيا تضع حدودا لمبيعاتها من السلاح لدول المنطقة لا يمكن أن تتجاوزها، وذلك حفاظا على الأمن والاستقرار والتوازن، وذلك لأن روسيا الآن ليس لها أعداء في هذه المنطقة وليس لها أيضا حلفاء رئيسيون.
روسيا تبدي اهتماما بالغا بقضية الاستقرار في منطقة الخليج العربي وتعتبر أن هذه المنطقة مهمة ليس فقط بالنسبة للدول الكبرى صاحبة المصالح الكبيرة ولكن أيضا بالنسبة لباقي دول العالم التي تطمح في الاستفادة الشرعية بموارد الطاقة في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن روسيا قد سبق لها أن طرحت فى عام 2001 منظومة للأمن في الخليج أطلقت عليها منظومة الثمانية لتضم دول مجلس التعاون الست وإيران والعراق، واقترحت روسيا أن تنضم هي والولايات المتحدة لهذه المنظومة للسعي لحل الخلافات بين دول المنطقة وجعل منطقة الخليج خالية من أسلحة الدمار الشامل، ولكن هذه المبادرة الروسية لم تر النور بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان أميركا حملتها على الإرهاب، والآن..
ومع تطورات الأحداث في العراق وما جلبته الحملة الأميركية على الإرهاب من غضب عارم على الساحة الدولية تجاه سياسات الإدارة الأميركية، هذا الغضب الذي بدأت تداعياته تظهر بوضوح على الساحة الداخلية فى الولايات المتحدة، عادت روسيا لتبحث عن دور لها فعال ومؤثر فى منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.
ويجدر بدول هذه المنطقة التعامل مع الواقع الحالي بكثير من الموضوعية والعلمية في حساب موازين القوى ومراعاة نمو الدور الروسي، والسعي الجاد لتفعيل هذا الدور لصالح العرب وقضاياهم بشكل عام ولصالح أمن واستقرار منطقة الخليج العربي بشكل خاص، لاسيما وأنه لا يخفى على أحد مدى دعم روسيا للقضايا العربية.
وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ووقوفها إلى جانب قضايا العرب في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب الاهتمام الملحوظ من جانب روسيا بدول الخليج وسعيها الدائم لبناء علاقات وطيدة معها جميعا في إطار من المصالح المشتركة وبعيداً عن الأيديولوجيات القديمة.
جامعة سيبيريا