على الرغم من أن السفير الأميركي في بيروت جيفري فيلتمان اعترف بأن للمقاومة في لبنان جمهوراً واسعاً ومؤثراً، وأنها في حال سلمت سلاحها وتخلت عن محاربة إسرائيل تستطيع أن تثري الساحة السياسية، إلا أن البعض ممّن يكن روح العداء والخصومة للمقاومة مازال يتابع حملته التشهيرية بكل شيء يتعلق بها، ويفتش أو بالأحرى يسعى لاختراع الأوهام والأكاذيب لتشويه صورة هذه المقاومة، وبالطبع لم يخف أحد أقطاب التحالف المعادي للمقاومة شعوره عندما اعترف مجاهراً بأنه «أسقط القداسة عن هذه المقاومة».

وللحقيقة فإن المقاومة وقيادتها لم تسلم من الهجوم والنقد التشهيري حتى عندما كانت ضمن التحالف الرباعي الذي خاض انتخابات موحدة واقتنص أكثرية يفاخر بها اليوم، وهذه الأكثرية لم تكن لتحصل لولا تحالف المقاومة الذي اعتبرته يومها تحالفاً سياسياً ولم يكن تحالفاً انتخابياً مرحلياً، ولكن النيات المبيتة ظهرت فيما بعد عندما انقلب حلفاء الأمس على رفاقهم المقاومين في التحالف.

ورأينا أن أكثر الناس تطاولاً على المقاومة أولئك النواب الذين وصلوا إلى المجلس النيابي اللبناني بأصوات جمهور المقاومة، وأن أكثر الأصوات تجرؤاً على المقاومة هم أولئك الذين كان لمؤيدي المقاومة فضل في نجاحهم وحصولهم على لقب «نائب»، بالبرلمان، ومع ذلك فإن هذا الجمهور الطيب لم ينزع ثقته بهؤلاء النواب الذين كالوا له الشتائم والنكران وكظم هذا الجمهور الغيظ وبلع الإهانة على اعتبار «إن أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا».

إذن عندما كانت المقاومة حليفتهم لم تسلم من الشتائم والضرب تحت الحزام، وعندما ضاقت المقاومة ذرعاً بتصرفاتهم ونهجهم الانقلابي المتدرج والمدروس بقيت دافئة اللسان حريصة على التعاون ووحدة الموقف والصف، بعيداً عن بعض الكيديات التي كانت تحصل هنا وهناك وهنالك.

وتحاول استيعاب هوامش المواقف وبقيت على تواصل مع هذا الفريق، حتى عندما كان السكين الإسرائيلي يحزّ عنق المقاومة ويمعن في تحويل جسدها إلى مسلخ تم تقطيعه وتمزيقه بشكل مرعب، فإن نهج الهجوم والنقد اللاذع لم يتوقف، بل ذهب البعض من هؤلاء إلى تحميل المقاومة كل نتائج العدوان الإسرائيلي الوحشي.

إذا كانت مهمة إسقاط المقاومة لم تنجح على يد حكومة أولمرت، فإن معادلة (أنت مخطئ حتى ولو كنت على حق) استمرت شعاراً، حيث تجند لهذه المهمة حشد هائل ومتنوع كان هدفه إسقاط أي شعار تطلقه المقاومة في الداخل، ومواجهته بعبقرية العقل التشهيري الذي كان ناشطاً وفاعلاً ورفع مقولة ان كل الانتصارات التي حققتها ضد إسرائيل حولتها إلى هزيمة في الداخل، والساحة الداخلية المليئة بالأصوات الجاهزة، والتناقضات المعقدة كانت كفيلة بهذه المهمة المقدسة عند هذا البعض.

حيث لم يترك صغيرة أو كبيرة إلا وحاول تسخيفها، فيما تجند الجميع من هذا الفريق إلى تطويق كل موقف وحدوي يطلقه قائد المقاومة وتجويفه من محتواه أو اقتلاعه من سياقه والبناء عليه بشكل مدبر ومدروس.

انطلاقاً من دعوته إلى إقامة حكومة وحدة وطنية، إلى دعوته لانتخابات نيابية مبكرة، إلى إقامة تحالف مع تيار ميشال عون، إلى تحذيره من حرب مخيمات جديدة في نهر البارد ورفعه شعار «الجيش خط أحمر والمخيم خط أحمر»، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داوود!

فالحملة المسعورة تقتضي ذلك وتشويه الحقائق هو الهدف لنصر وهمي، ومع ذلك فإن الرجل كان محقاً في كل شيء ذهب إليه، وغرضه كان حماية الجيش من المجزرة التي يتعرض لها حالياً، فيما البعض من الطبقة السياسية كان يتاجر فيها، وكان أيضاً غرضه حماية المخيم الذي كان يؤوي أكثر من خمسين ألف فلسطيني هم الآن في العراء.. والمشكلة مازالت مستمرة، وأفق الحل مازال في علم الغيب حتى لو دخل الجيش ونظف مخيم نهر البارد من كل الإرهابيين المتحصنين فيه.

وبهذا المنطق الكيدي لو طالب الرجل بالسلام مع إسرائيل وهذا أمر مستبعد لرفضوه، ولو قال لهم بالهجوم العسكري لإسقاط النظام في دمشق لفعلوا العكس، وهذا ما حصل في نهر البارد عندما قال لهم ان للمخيم حساسيته وتعقيداته، اتهموه بالضلوع بالمؤامرة، وحملوا مواقفه الكثير من الكلام والتأويلات الصاخبة والفارغة.

إذا كانت أميركا اعترفت بالمقاومة وفرنسا رفعت عنها صفة الإرهاب.. فماذا ينتظر البعض في لبنان بعد كل الذي فعلوه حتى الآن من تفرد ومكابرة!!